بقلم: محمود الدبعي- رئيس اتحاد مسلمي السويد.

بدأ الإخوان المسلمون في السويد ومن خلال الرابطة الإسلامية بالسويد ومؤسساتها المختلفة وخاصة مسجد ستوكهولم، بالدعوة للمشاركة السياسية في عام 1986 و في عهد الأخ الفاضل أحمد غانم وهو أحد المؤسسين البارزين للعمل الإخواني بالسويد وكانت الرابطة تواجه معارضة شديدة من قبل الإخوان وغيرهم واستعانت الرابطة بالشيخ فيصل مولوي للفصل في مسألة المشاركة السياسية والتعاون مع الأحزاب المختلفة وقام الشيخ مشكوراً بتحرير وثيقة مهمة في وجوب المشاركة السياسية  للمسلمين في أوروبا وشارك في عدة ملتقيات و ندوات سياسية وبعد طباعة هذه الوثيقة في كتاب وتوزيع مئات النسخ منه خفت المعارضة الإخوانية وبقيت معارضة من توجهات إسلامية أخرى وخاصة من المنتسبين لحزب التحرير والذين يرون بالمشاركة السياسية ولاء للكفار ويحرمون المشاركة ويطالبون المسلمين بمقاطعة الانتخابات وعدم الترشح على قوائم الأحزاب السويدية ويرون بذلك كفراً وباحاً.

وبمباركة وتسهيلات من الحزب الاشتراكي الديمقراطي والمسيحيين الديمقراطيين داخل الحزب تم تشكيل لجنة سياسية من قيادات بارزة في الجماعة واذكر منهم بالإضافة لشخصي الأخ أحمد غانم والأخ مصطفى الخراقي والشيخ هيثم رحمه  والأخ شكيب بن مخلوف وتم تدريب عشرات الكوادر المسلمة  في الشؤون السياسية و في عام 1995 تم تأسيس الكتلة السياسية الإسلامية وكان للكتلة حضور واضح على الساحة السياسية و في عام 1998 وصلت الكتلة إلى مراكز اتخاذ القرار في الحزب الاشتراكي وأطلقت حملة واسعة غطت تراب السويد لحث الناس على المشاركة السياسية وبالمقابل قدم الاشتراكيون وعوداً كثيرة لتسهيل اندماج المسلمين وترشيح عدد منهم على قوائم الحزب. هذه الوعود تسببت في صراع داخلي شديد بين قيادات المسيحيين الديمقراطيين وتم عزل أصدقاء المسلمين من مراكز اتخاذ القرار في الكتلة المسيحية في الحزب الاشتراكي. القيادة الجديدة لهذه الكتلة توجهت نحو السريان وساهمت في حث الاشتراكيين على اتخاذ قرار بتحميل تركيا جريمة إبادة الأرمن في العشرينيات من القرن المنصرم. ما زالت هناك شبكة من المسلمين تنشط من خلال هذه الكتلة المسيحية.

نعود للتسعينيات من العام المنصرم حيث قدّمت الجماعة في السويد خيرة قادتها للحوار مع الأحزاب و للتأكيد على أن الميراث الإسلامي والطريقة الدعوية السلمية التي يمارسها الإخوان في السويد جديرة بالاحترام، وبالفعل فتح الحزب الاشتراكي ومن خلال كتلة المسيحيين الديمقراطيين الأبواب أمام العمل الإخواني من خلال الكتلة السياسية وبدأ هذا العمل ينمو ويترعرع حتى عام 2006، وظلت علاقة التعاون قائمة مع الاشتراكيين، وفي الوقت الذي كانت تظهر فيه بعض الخلافات في المواقف السياسية بين الإخوان تطفو على السطح و كانت تحل المشكلة عبر لقاء بين قيادة الجماعة ومجلس شوراها وبقيت هذه السياسة قائمة حتى قمت بإرسال رسالة سياسية محملة بعدة مطالب إلى الأحزاب السياسية واعتبر قادة الإخوان بقيادة الأخ شكيب بن مخلوف أني تجاوزت كل الحدود وأساءت للعلاقة الإخوانية والحزب الاشتراكي وكتلة المسيحيين و خاصة بعد قيام وزير الاندماج في حكومة الحزب الاشتراكي - ينس أوربك- بالاتصال بمصطفى الخراقي ومحمد كبلان بصفتهم قياديين في المجلس الإسلامي السويدي وطالبهم بموقف صريح يستنكر هذه المطالب ويتبرءوا مني وفعلاً اجتهدوا وبدون الرجوع للكوادر باستنكار هذه المطالب وتبرءوا من هذه الرسالة وأنكروا معرفتهم بها وفعلوا ذلك لحماية مصالح المسلمين حسب ما رشح عنهم. هذا الموقف تسبب بشرخ كبير بين الإخوان ولم يندمل رغم مرور عدة سنوات على هذا الحدث. سقطت حكومة الاشتراكيين وتشكلت حكومة يمينية وليبرالية من أربعة أحزاب  بقيادة المحافظين الجدد وتحول الحزب الاشتراكي إلى حزب من أحزاب المعارضة الثلاثة.

نعود بكم إلى الوراء قليلاً وفي عهد الاشتراكيين تشكلت حالة مميزة من العلاقة المرنة بين الحكومة والإخوان وتراكمت قناعات وسياسات ومواقف ساهمت في الحفاظ على هذه العلاقة لأكثر من خمسة عشر عاماً، على الرغم من وجود بعض المحطات من التباين والاقتراب من الصدام إلا أن شعرة معاوية ظلت قائمة، فالحكومة الاشتراكية احتضنت المسلمين باعتراف رسمي بمؤسساتهم  وحرية في التنظيم والعمل والنشاط في المجالات الخيرية والتربوية والدعوية والسياسية وتقريب بعض الرموز الإخوانية وتمكينهم من مواقع حساسة في أجهزة الدولة· و لا يخفى على أحد أني عملت لأكثر من 12 عاماً في المجالس الاستشارية للحكومة و كنت خبيراً في لجنة إعادة صياغة قانون الأحوال المدنية وكان لي ملحق خاص في القانون.

ولا يخفى على أحد أن الجماعة من خلال المجلس الإسلامي السويدي وقفت مع الدولة في عهد الاشتراكيين في أزمات سياسية حادة من أهمها سنة 1992  عندما احتجز صدام حسين عدداً من الرعايا السويديين وعجزت السياسة على إطلاقهم وحررهم رجل الدين المسلم، كما كتبت الصحف السويدية آنذاك.  وسنة 1994 قام رئيس المجلس الإسلامي بالمساهمة في إطلاق سراح رهينة سويدية احتجزها مجاهدي كشمير. و ساهمت الجماعة في رأب الصدع بين الدولة السويدية و العالم الإسلامي على إثر أزمة الرسوم المسيئة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم.

أما بالنسبة للمشاركة السياسية الفعلية فقد اكتفى الحزب الاشتراكي باختيار بعض المسلمين وغالباً بصورة فردية لشغر بعض المناصب السياسية و تم ترشيح البعض على قوائم الحزب واكتفى الإخوان بالمشاركة الرمزية خاصة في الانتخابات النيابية ولم يكن لهم أي ممثل في البرلمان رغم هذه المواقف الداعمة للحزب الاشتراكي.

أما محمد كبلان عضو المجلس الإسلامي السويدي فقد رشحه حزب الخضر وفاز بمقعد استوكهلم عام 2006 و هو مرشح لخوض الانتخابات البرلمانية هذا العام، وهناك أمل له بأن يصبح وزيراً عن حزب الخضر في حكومة يقودها الاشتراكيون إذا حالفهم الحظ وفازوا في انتخابات 19 سبتمبر.

بعد انتخابات 2006 بدأت تطفو على السطح مناكفات بين الإخوان وبدأت تظهر عند الكثيرين من الإخوان روح المغالبة والتطلع نحو السيطرة والمنافسة على المؤسسات وكسب التأييد الشعبي وبدأت لهجة الانتقاد والمعارضة تشتد، وكانت القشة التي قصمت ظهر البعير، خروج عدد من رموز الإخوان من جميع المؤسسات التي أسسها الإخوان ومن المؤسسات المتعاونة معهم وفي المقابل قام الإخوان بحل الكتلة السياسية الإسلامية وأسسوا كتلة سياسية جديدة من أفراد موالين للإدارة الجديدة ووضعوا قانوناً خاصاً قامت على أساسه هذه الكتلة بالتواصل مع الأحزاب من خلال توجيه كتاب أبيض يوضح مواقف الكتلة من العمل السياسي، و بدأ الإخوان حواراً مع المحافظين الجدد وخاصة أن رئيس الرابطة عبد الرزاق الوابري عضو في هذا الحزب وهو مرشح لخوض الانتخابات البرلمانية على قائمة المحافظين الجدد، ومن هذا المنطلق قامت الرابطة بإصدار بيان يحث المسلمين على المشاركة السياسية وقعت عليه بعض المؤسسات التابعة أو المتعاونة مع الإخوان.

رأى قادة الإخوان بالسويد بالمشاركة السياسية وترشيح رئيسهم على قوائم حزب المحافظين الجدد وحث المسلمين على المشاركة بالانتخابات هو الذي تغلب، وظلت الفجوة تتسع بين الإخوان والإخوان المحاصرين وبخاصة بعد التخلص من عدد منهم.

إن وضع الإخوان المسلمين بالسويد في هذه المرحلة قد اختلف عن المراحل السابقة، فلا العلاقة الودية التعاونية مع الاشتراكيين بقيت ولا الحفاظ على المبدأ بعدم ترشيح رموزهم على قوائم الأحزاب السويدية والذي حارب الأخ شكيب بن مخلوف للالتزام به وكان دافعاً لي شخصياً بسحب ترشيحي لخوض الانتخابات البرلمانية على قوائم الاشتراكيين عام 2006 قد بقيت ولا الجماهيرية التي كسبوها في التسعينيات قد استمرت ولا وحدة الصف التي تميزوا بها في تلك الفترة وتميزوا بها عن غيرهم من الإخوان في أوروبا قد تأصلت ولا وضوح الرؤيا والبرنامج السياسي قد اكتمل وبذلك دخل الإخوان عام 2010 وسط خلخلة في كل هذه المجالات فلا الخطوط متصلة مع الحزب الاشتراكي والأحزاب الأخرى باستثناء حزب البيئة (الخضر) وحزب المحافظين الجدد من خلال الدكتور فراس المصري والأخ محمد كبلان والأخ عبد الرزاق الوابري وعدد آخر لا يحضرني أسماؤهم، ولم تعد كما كانت في الفترة السابقة ولا الصف الداخلي الملتحم الموحد قائم بينهم وطفت الخلافات على السطح وتناولتها وسائل الإعلام واتسمت العلاقات الإخوانية بالخلافات والنزاعات ووصلت إلى حد الشتائم والاتهامات ولذلك لم يكن غريباً أن يكون الاتجاه السائد عند القواعد الإخوانية في مختلف المناطق بالسويد يسير نحو المقاطعة ولو أن ذلك يحدث بصمت، وفي اعتقادي أن هذه هي المسألة الجوهرية والعامل الأساسي في خيار المقاطعة السياسية أو المشاركة السياسية وبذلك يقع الإخوان في هذه المرحلة بين المطرقة والسندان فلا المشاركة تخرجهم من حالة الصراعات والنزاعات الداخلية بل قد تزيد الشرخ القائم ولا المقاطعة يمكن أن تقدم لهم مكسباً مهماً بل ستؤدي بهم إلى مزيد من التحجيم والبعد عن مواقع التأثير في صنع القرار وبالتالي التراجع في التأييد الشعبي لهم.

قد يفوز بعض رموز الإخوان في مقاعد عن حزب البيئة و المحافظين الجدد و لكن الحزبين على نقيض. و يبقى خيار واحد للمسلمين وهو توحيد جهودهم وإطلاق حزب جديد على غرار حزب العدالة والتنمية وخوض الانتخابات القادمة من خلال برنامج سياسي مستقل تتفق علية المؤسسات الإسلامية والعربية وعموم الجماهير التي تتشكل منها الأقلية المسلمة في السويد ونقول كفانا لعب وضحك على الذقون لأن المشاركة السياسية من خلال الأحزاب القائمة قد تحسن وضع عدد محدود منا وتبقى الأقلية خارج السرب تغرد دون مكاسب ترفع من شانها في المجتمع و تكسبها اعترافا بها ونبقى مواطنين من الدرجة الثالثة.

 

مواضيع ذات صلة