بقلم: م/ محمود الدبعي

لا يخفى على الجميع أن دول الشمال الاسكندينافية تمتاز باحترامها للقانون والنظام والعدالة الاجتماعية، و ديمقراطيتها فريدة من نوعها و تقدس الحريات الفردية و الإنسان عندها ملاك حتى تثبت آدميته، لهذا فإن الشعوب الاسكندينافية بعمومها تتطلع إلى تحقيق السلام الاجتماعي والسلام الداخلي أيضاً.. وهم يتطلعون إلى تحقيق السلام في هذه الحياة ولكنهم بعيدون كل البعد عن الآخرة، ونحن نعرف أن الطريق السليم لتحقيق ذلك هو التعريف بالإسلام و تشجيع الأفراد لاعتناق الإسلام.

وهناك إقبال متواضع على اعتناق الإسلام وهناك فرق بسيط بين عدد النساء مقارنة بعدد الرجال، وفي بداية عملي الدعوي لاحظت أن هناك الكثير من النساء يدخلن إلى الدين الإسلامي، ولكن في السنوات الأخيرة أغلب الشهادات التي شهدتها كانت من الشباب، لهذا أستطيع القول: إن عدد المهتدين الجدد من المسلمات والمسلمين متماثل، وحسب ما يردنا من الجمعيات الإسلامية فإن أكثر من 1000 شخص يعتنقون الإسلام سنوياً في دول الشمال وتحتل الدنمارك المركز الأول وتليها السويد ومن ثم النرويج وأخيراً فنلندا،لا يوجد لدي إحصاء عن المهتدين الجدد في أيسلندا ولكن عدد المسلمين هناك لا يزيد عن 100 شخص.

قليلةٌ هي المعلومات التي تنشر عن واقع الجاليات العربية والمسلمة في اسكندينافيا التي تقع في أقصى بقعه شمالية من الكرة الأرضية والذي ينشر عن أحوال المسلمين الاجتماعية والدينية يصدر عن المؤسسات الإسلامية وغيرها.  ولا نسمع سوى أن بعض المسلمين يتعاملون مع المجتمعات الاسكندينافية بأساليب غير أخلاقية ومنهم متطرفون ويكفرون المجتمعات ويستبيحون أموالهم وأعراضهم وهذه النسبة لا تزيد عن 15% من عموم المسلمين وهناك الملتزمون من رواد المساجد و نسبتهم لا تزيد عن 20% من عموم المسلمين و السؤال أين البقية الباقية منهم.

القليل يرشح عن واقع المهاجرين الذين لا يتصلون بالمساجد، ولن أكون مبالغا إذا قلت: إن أكثر من 65% من مسلمي دول الشمال لا يعلمون إلا القليل عن الإسلام رغم أن أسمائهم عربية ولا يتواصلون مع المساجد ..  وهناك من لا يعرف شيء يذكر عن دينه ونبيه وخالقه وكتابه وأصبت بالدهشة عندما سألت مقدمة برامج في التلفزيون السويدي فتاه مسلمة في سن الخامسة عشرة من هو ربك؟ قالت الفتاه بكل ثقة والابتسامة لا تفارق محياها ... محمد هو ربي... وتعجبت السيدة من جوابها وأعادت السؤال وسمعت منها نفس الجواب وأضافت الفتاة بعد أن شاهدت على محيا السيدة الحيرة، نعم بما أن عيسى (جيسوس) هو رب النصارى فمحمد هو ربنا... ومما يؤسف له، ما تواجهه الجاليات المسلمة في اسكندينافيا من خطر الذوبان والانقراض؛ بسبب ظاهرة الإقبال على الزواج من غير المسلمات للذكور وإقبال الإناث على الزواج من غير المسلمين أو في أحسن الأحوال تكتفي الفتاة من زوج المستقبل أن ينطق الشهادتين إرضاء للوالدين.

في ظل هذه الظروفٍ الصعبة التي يواجهها جيل الأبناء، وفي ظل غياب التعليم الإسلامي وندرة الدعاة المتفرغين وغياب الكتب الإسلامية باللغات الاسكندينافية، خاصة، والكثير منهم  يتبع عادات أمهاتهم المسيحيات؛ من زيارة الكنائس والمشاركة في الاحتفالات الدينية النصرانية.  عدد المسلمين في دول الشمال كبير جداً من أصل تعداد سكان دول الشمال ( السويد والدنمارك والنرويج وفنلندا وأيسلندا الذي يزيد عن 25 مليون نسمة، وعدد المسلمين بينهم يزيد عن المليون ومائة ألف نسمة - الإحصاءات الأخيرة تقول: أن هناك أكثر من 700 ألف مسلم في السويد و أكثر من 250 ألف مسلم في الدنمارك وأكثر من 100 ألف في النرويج و حوالي 30 ألف في فنلندا.

أكثر المسلمين من العراقيين والذين يزيد عددهم عن 200 ألف والأتراك الذين يزيد عددهم عن 150 ألف والإيرانيين الذين يزيد عددهم عن 80 ألف والبوسنيين الذين يزيد عددهم عن 75 ألف والباكستانيين الذين يزيد عددهم عن 50 ألف والصوماليين الذين يزيد عددهم عن 50 ألف واللبنانيين والفلسطينيين وباقي العرب الذين يزيد عددهم عن 300 ألف وغيرهم الكثير. هؤلاء هاجروا إلى اسكندينافيا خلال 60 عاماً، ونود الإشارة هنا إلى أن دول الشمال باستثناء الفنلنديين من جنس واحد وهو الفايكنج مع خليط من عدة أجناس أوروبية.

يوجد في اسكندينافيا حوالي خمسة عشر مسجداً و أغلبها في السويد وهناك مخطط لبناء مسجدين في كوبنهاجن وهناك حوالي 300 جمعية إسلامية بدول الشمال وأغلب مقراتها أقبية وشقق سكنية صغيرة وهناك بعض العقارات التي اشتريت وحولت لمساجد. أغلب المساجد تديرها الجماعات والقوميات ولذلك نسمع عن مساجد الأتراك والصوماليين والعرب والبوسنيين والباكستانيين ... الخ، أغلب المساجد والجمعيات تتواجد في المدن الكبيرة وتفتقر المدن الصغيرة للمصليات.. ومن هنا نتلمس أساس المشكلة... آلاف المسلمين يقيمون في مدن لا توجد بها مصليات ولا يزورها أحد ويقول شيخ بنغالي من جماعة التبليغ زرنا عشرات المدن والتقينا بمسلمين ولم نرى أي جمعية أو مصلى. المدن و القرى الواقعة شمالي السويد والنرويج وفنلندا تفتقر للمساجد ولذلك يعاني المهاجرون نقصاً حاداً في العلوم الدينية وأيضا نقصاً في الترفيه الحلال، ورغم جهودنا من أجل ملء هذا الفراغ وسد هذه الثغرة؛ إلا أننا فشلنا واليوم هناك آلاف الشباب العربي الذي لا يجيد اللغة العربية ولا يعرف شيئاً عن تعاليم الإسلام وسُنة نبينا وحبيبنا محمد عليه الصلاة والسلام.

يقول شاب متدين التقيت بفتاة بوسنية جميلة جداً وتحدثنا طويلاً و فجأة قالت لي هل تريد أن تكون صديقي وقال لها ما فهمت قالت- بوي فرند- فقلت لها الست مسلمة قالت نعم وأضافت لذلك أريد صديقاً مسلماً لأني لا أحب مصادقة النصارى. يقول الشاب استغفرت الله وحاولت أشرح لها شيئاً من تعاليم الإسلام إلا أنها خاوية تماما... هذا التواصل الضعيف مع الإسلام ينتج عنه مسلمين بالاسم.

تقوم الجمعيات الإسلامية والمساجد في اسكندينافيا بجهود دعوية وتعليمية للحفاظ على أبناء الأعضاء بالغالب من الضياع، ولا تبالي هذه الجمعيات بالأعداد الكبيرة من المسلمين المغيبين أو الغائبين. تصلنا بعض الكتب المترجمة و لكنها لا تتناسب مع ثقافة وقيم الشباب الذي يعيش كالنصارى وهي بالغالب تنفر أكثر من أن يستفيد منها الشباب المسلم في اسكندينافيا. يقوم الأئمة و الدعاة بالتركيز على زوار المساجد ولا يوجد تواصل مع العدد الأكبر الذي يقضي أوقات الفراغ في النوادي الليلية و قبل أعوام تعرض مرقص ليلي للاحتراق وقتل عدد كبير من الشباب والبنات وأصيب العشرات بحروق شديدة وكان أكثر من 80% منهم من أبناء المسلمين.

يوجد في اسكندينافيا عشرات الأئمة المبعوثين من وزارات الأوقاف والمنظمات الإسلامية وهم يلتحقون بالغالب في المؤسسات العاملة لتعاليم الدين الإسلامي وإمامة المصلين ولكنهم بالغالب لا يقومون بوظيفة التعريف بالإسلام بين الناطقين باللغات الاسكندينافية والسبب أنهم لا يتقنون هذه اللغات ولا يريدون أصلا تعلمها.  هناك بعض الأئمة البوسنيين والأتراك والبنغال يتجولون في المناطق التي بها مسلمون ولا يوجد بها مساجد؛ من أجل تعليم الجالية المسلمة هناك. يقولون أن الإقبال على الإسلام ضعيف ويضيفون أن الإقبال على الدين الإسلامي من قِبَل الفتيات أكثر من الشباب.

خطر الذوبان تحت مسمى الاندماج

هناك خطورة على ذوبان أبناء عموم المسلمين في المجتمعات الاسكندينافية، خصوصاً بعد زواج شباب المسلمين من الفتيات المسيحيات. لقد شهدت بنفسي عشرات الحالات التي تزوج فيها شباب مسلمون من مسيحيات، وأنجبوا أطفالاً وتقوم الأم عادة بتربيتهم على دينها النصراني. وفي حالة الطلاق أو الانفصال تحتفظ الأم بحقها في تربية الأبناء. وأتذكر منذ نحو عام، عندما ذهبتُ لزيارة بعض المناطق التي بها تجمعات مسلمة، وقررت أن أبحث عن مسلمين هناك.. وجدت أسماء كثيرة في قائمة دليل الهاتف، وحاولت التواصل معهم ولكنهم كانوا يردون علي بحذر شديد كأني متسول يريد شيئاً يسد رمقه. التقيت ببعضهم ولكن المفاجأة أنهم يدفنون من يتوفى في مقابر النصارى، وعندما سألتُ بعض الشباب والفتيات عن الإسلام، قالوا: إن ذويهم كانوا يقرءون القرآن و يصلون ولكنهم لا يؤدون الصلاة ويأكلون لحوم الخنزير ويشربون الخمر ويتخذون خليلات وللفتيات علاقات محرمة مع الشباب، ماذا نقول وذويهم لم يعلموهم أي شيء عن الإسلام ولا حتى اللغة العربية أو لغة الأم إن كانوا من الأعاجم، وهناك العشرات من المسلمين مدفونين في مقابر النصارى.

حالات أخرى شهدتها، وهي رجال و نساء نلتقي بهم و يقولون: إن والدي كان تركياً أو عربياً و كانوا مسلمين، ولكنهم اليوم نصارى أو لا دينيين و لم يتعلموا أي شيء وهم أطفال عن الدين الإسلامي، وقد كبر الأبناء وتربوا على المذاهب النصرانية، وهناك العديد من هذه الحالات المنتشرة في أنحاء دول الشمال، وأشهر لاعب كره سويدي الذي يدعى زلاتان إبراهيموفيتش  يضع الصليب وذويه مسلمان ويعاقر الخمر.

والسبب في هذه المآسي هو بالطبع النقص في الثقافة الدينية، وعدم اتباع تعاليم الدين الإسلامي، ونحاول في المراكز الإسلامية والمساجد تعميق الإسلام في نفوس المسلمين هنا. ولكننا نحتاج إلى دعم ضروري من قبل الدعاة.

نحن نحاول إيصال الدين الإسلامي من خلال الندوات والمؤتمرات، والتحدث إلى الناس، وإقامة فعاليات دعوية في مختلف الأماكن في العواصم الاسكندينافية، والذي ينقصنا هو الدعم المادي المستمر لطباعة منشوراتنا الدعوية التي لها صلة بمشكلات خاصة بالمجتمعات الاسكندينافية.

ونتمنى على الدعاة المدعومين من الناحية المادية من قبل المنظمات الإسلامية والحكومات أن يقوموا بواجبهم، وما دام هناك مرتبات خاصة للدعاة المبعوثين؛ بحيث يتفرغوا للدعوة وتدريس الدين الحنيف، نجدهم بالغالب منهمكين في أمور بعيده كل البعد عن تبليغ الإسلام للبعيدين عنه. وبما أنهم يتقاضون رواتب ولا يشغلهم التفكير في إيجاد عمل آخر بوقت كامل ليسدوا حاجة أسرهم، وخصوصاً في دول الغرب التي يجب على الفرد أن يعمل فيها طوال اليوم.. نراهم مقصرين بواجبهم الشرعي. أنا أتعجب من الداعية المتفرغ يحصر نفسه في مصلى صغير تحليلاً لراتبه وينسى الواجب الذي من أجلة بعث لهذه الدول. والأكثر عجباً أنهم بالغالب يكتبون التقارير المطولة عن أنشطتهم الدعوية.

نحن بحاجة إلى مراكز دعوة متخصصة في كل مدينة في دول اسكندينافيا يلتحق بها دعاة من متقاعدي الكليات الشرعية وخاصة من الذين يتقنون الإنجليزية لفترات محدودة لا تزيد عن ستة أشهر ونحتاج إلى توفير ميزانية مقطوعة سنوياً لهذه المراكز، حتى يتم فتحها للمسلمين وغيرهم. وقد نبعت فكرة إنشاء هذه المركز الدعوية المتخصصة من أجل تغطية احتياجات غير المسلمين للتعرف على الإسلام وحاجات شباب المسلمين الدينية، وتعليم أكبر عدد ممكن من الشباب المسلمين فن الدعوة والتعريف بالإسلام، وهو مشروع مثمر على المدى الطويل، وعملياً يمكن إنجازه في وقت قصير.. إذا توفرت السيولة المالية. ومراكز الدعوة هي التي نحتاج إليها في اسكندينافيا إلى جانب المساجد والمدارس.

ونحتاج إلى أماكن للترفيه الحلال، لأننا نحتاج صرف نظر شبابنا عن أمور ومشاغل الدنيا، وذلك بتعليمهم العلم النافع مثل القرآن والحديث واللغة العربية والأناشيد والرياضة وغيرها من الأنشطة التي تساعد على تقوية روابط الأخوة بين أفراد الجاليات المسلمة. وبالنسبة للأخوات المسلمات سيكون هناك تدريب على المطبخ الحلال، والتشجيع على أكل الحلال ومنافعه والأشغال اليدوية.. بالإضافة إلى تخصيص دروس تربوية قبل الزواج وعن كيفية إدارة المنزل وتنشئة أسرة إسلامية، لأنه في الدول الغربية ليس هناك اهتمام كافٍ بتأهيل المرأة للبيت أو تربية الأسرة، وإن شاء الله سيتم تأهيل الأخوات في هذه الجاليات المسلمة في مراكز الدعوة المتخصصة.

و نريد من الذين يلتحقون بهذه المراكز أن يلتزموا ويتمسكوا بهذا الدين الحنيف بالطريقة التي علمنا إياها حبيبنا ورسولنا محمد عليه الصلاة والسلام.. ونقول للقائمين على الدعوة في عالمنا الإسلامي أن تدركوا أنه لكم من السهل تأدية ما قد أمركم الله به، وخصوصاً إذا كنتم ممن يعملون في مجال الدعوة الإسلامية، وأنه من المحزن أن نرى نهاية العصاة من المسلمين، الذين لم يتبعوا دين الله، تكون نهايتهم في مقابر النصارى وأنه ليس من السهل علينا التواصل مع المسلمين في دول الشمال بدون عون أحبتنا الذين يعيشون في الدول العربية والإسلامية. نريد إنقاذ أتباع تعاليم الدين الحنيف، وخاصة المسلمين الذين لا يُقدِّرون قيمة ما لديهم من نعمة الإسلام.

م/ محمود الدبعي

الأمين العام لإتحاد مسلمي السويد 

مواضيع ذات صلة