بقلم: جمال العطار

آلمني تصريح السيد رئيس الوزراء النرويجي ينس ستولتن-برج بشده خلال زيارته الأخيرة للندن للاجتماع بنظرائه من رؤساء الوزراء من الشمال و دول حوض البلطيق، حيث قال أنه "ينام بشكل جيد في الليل" كناية عن الرضا عن النفس في تصريح مستغرب في قضية الكاتبة والناشطة القوقازية ماريا أماليا.

في نهاية سبعينات القرن الماضي و بداية الثمانينيات فيه لمع نجم الدول الاسكندينافية ليس فقط بسبب فرقة "ابا" السويدية، بل بسبب الطفرة التنموية التي حدثت وغيرت ملامح شعوب شمال الكره الأرضية وجعلتهم جميعاً يصعدوا بشكل جماعي إلى أفضل مستويات العيش واستقرارهم عليها حتى الآن - باستثناء أيسلندا التي هوَت بشده في الأزمة العالمية في عام 2008- هذه التطورات والنمو الاقتصادي المبهر بشده وشيوع ثقافة الانفتاح على الآخر وحرية الرأي والتعبير وحرية ممارسة العبادة جعل المضطهدين حول البسيطة يقصدونها من الهند وباكستان وشيلي والبلقان والشرق الأوسط ليتنفسوا هواء الحرية على أمل بحياة أفضل كلاجئين وكمواطنين في بلاد ترفع حرية الإنسان وكرامته شعاراً لها وتتخذ من حقوق الإنسان وسيلة لانتقاد البشر أجمعين.

ومع الأيام ظهرت في تلك الدول حركات تنادي بوقف الهجوم الأجنبي البربري السلمي عليها، فظهر في السويد النازيون الجدد مبكراً عن بقية الدول ولحقت بها الدنمارك والنرويج لاحقاً، وبدأ الإنسان ذو الملامح غير "الاسكندينافية" يلاقي احتقاراً في التعامل من الناس في الشارع ولا ألوم شعوب هذه الدول على تلك الفعلة بمفردهم لكن ألقي باللوم بشكل متساوي عليهم على القادمين الجدد الذي سجلوا أعلى معدلات الجريمة والاتجار بالبشر والمخدرات، حتى أصبحت النظرة العامة أن الأجانب "كلهم" سيئون وهم "مدانون" حتى تثبت براءتهم، كل هذا يتناقض ببساطه مع مبادئ الانفتاح الفكري الذي تنادي به هذه الدول وتنفق في إرساء مفاهيمه في الشرق الأوسط الملايين في حين أنه مغيب بشكل كامل في قلب هذه البلدان.

ومع تبدل الأيام وفقط منذ عامين ظهرت في النرويج موجة عامة عند السياسيين بتقييد قوانين اللجوء التي لا تضع ضوابط حقيقية للتعامل مع اللاجئين، وبداية نفض الغبار عن مؤسسة مديرية شئون الأجانب والتي لا شك قد شهدت تطوراً كبيراً جداً خلال العامين المنصرمين قد يوازي التطور الذي حدث خلال العقدين السابقين فأنشأت المديرية نظاماً محوسباً جديداً لدراسة القضايا ومن أجل متابعة أفضل ووظفت أضعاف الموظفين الأصليين بسبب تضاعف أعداد اللاجئين وبدأت التعاون بشكل أكبر مع الأمم المتحدة، وسهلت بشكل أكبر منح تأشيرات العمل في النرويج وصعبت بشكل بالغ الذروة اللجوء ولم الشمل لتصبح المؤسسة وأخيراً ذات قوانين أوضح من تلك التي كانت تتعامل بها مع اللاجئين خلال السنوات الأخيرة ولكن لا يزال ينقص هذه المؤسسة الشفافية في التعامل مع قضايا اللاجئين.

تتنافى مبادئ الإنسانية والتي تتشدق بها النرويج ومثيلاتها من دول الشمال بشكل قاطع مع معاناة اللاجئين في مخيماتها، ففي النرويج على سبيل المثال وكالعادة طبقا للمصادر الرسمية يقبع أكثر من 300 طفل في مخيمات اللجوء في ظروف إنسانية سيئة لفترة تجاوزت 3 سنوات – طبقا لتصريحات شبيبة حزب العمل الحاكم- وغالبيتهم مهددون بالرجوع إلى أوطانهم بعد هذه المدة الطويلة من المكوث ناهيك عن لاجئين قد أفنوا زهرات أعمارهم في النرويج و تعدوا ما يزيد بقليل عن 10 أعوام تحت قائمة فاقدي الأوراق ولا يمتلكوا أي نوع من الحقوق الإنسانية سوى حق التعليم –الحكومة غير ملزمة بتطبيق هذا الحق أيضاً إنما هو يتفاوت طبقا للبيروقراطية التي تتعاطى بها النرويج مع اللاجئين وقضاياهم- و معاناة هؤلاء تتجدد بين الحين والأخر حيث تقوم شرطة الأجانب بترحيلهم قسرياً، بالرغم من الاحتجاجات التي تصاعدت داخل قطبي الحكومة –حزب العمل وحزب اليسار الاشتراكي- والتي شهدها على سبيل المثال الاجتماع العام لشبيبة حزب العمل الذي وجه رئيسه كلمات قوية لرئيس الوزراء في حضوره عندما قال إن تصرف الحكومة مع فاقدي الأوراق "مثير للاشمئزاز" ووجهت له 3 مسودات لقوانين تعالج هذا الموضوع الشائك في النرويج، وفي نفس الوقت واجهت الشريكة الرئيسية في الحكومة نفس المصير في الاجتماع الوطني لحزب اليسار الاشتراكي حين واجهت انتقادات شديدة جعلتها في نهاية المطاف تتبنى 3 مسودات لقوانين تقارب بشكل كبير المسودات التي عرضها شبيبة حزب العمل على رئيس الوزراء.

إن اعتقال ماريا أماليا وترحيلها قسراً لهو علامة فارقة في السياسة النرويجية خصوصاً عندما يتعلق الموضوع بكتابها والذي أقض مضاجع السياسيين في النرويج وجعلهم جميعاً في مرمى المسائلة عن حقوق هذه الفئة من "قاطني النرويج" فالاعتقال هاهنا مبني على أساس يتعارض مع حرية الرأي التي تمنح النرويج على أساسها من وقت لأخر جائزة نوبل للسلام حول العالم لأُناس صرحوا برأيهم ووجدوا قمعاً شديداً من أنظمتهم الحاكمة وليس الناشط الصيني السجين ليو شياباو الحائز على نوبل للسلام 2010 عنا ببعيد.

وفي نهاية المطاف و بعد هذا السرد لمعاناة كثيرين في النرويج، نستطيع أن نقول للسيد رئيس الوزراء.. نم قرير العين فليس هناك ما يؤنب ضميرك البتة.

 

 

مواضيع ذات صلة