غريب هو حال "عرب الدنمارك" أو ما يسمون مجازاً الجالية العربية في الدنمارك، فهم "كثيرو حكي" "قليلو فعل"، القاسم المشترك بينهم هو فقط أنهم يعيشون على هذه الأرض الباردة، وكل شيء آخر فهم مختلفون عليه.

فعرب الدنمارك هي تسمية واقعها يقول بأننا نتحدث عن مجرد مجموعات وتكتلات وفرق وأحزاب ومنظمات وعصابات تحارب بعضها البعض، يعشقون التفرق والمعارك الجانبية ويبتعدون بكل جهد عن أي مبادرة تسعى لتجميع صوتهم والنهوض بواقعهم المأساوي، ففي أقل من عشرة أيام سقط أربعة شباب من أصول عربية في حرب المخدرات الدائرة في شوارع كوبنهاجن، وهذا للأسف ليس بالخبر الغريب ولكن الغرابة في أن تقام لهؤلاء "القتلى" جنازات حاشدة في المساجد وأن تقوم شخصيات اعتبارية ورسمية عربية بالتعزية بهم وكأن جاليتنا فقدت رموزاً ثقافية وفكرية! وربما هم بالفعل كذلك للسواد الأعظم.

ومسلسل الغرابة لا يتوقف هنا فأخيراً خرجت علينا مجموعة من "عرب الدنمارك" تعتزم تأسيس شبكة لدعم الديمقراطية في البلدان العربية، وكأن الشباب الذي خرجوا في ميادين الحرية والتحرير ينتظرون مساعدة ممن لا يستطيع مساعدة نفسه وجاليته، لأن السؤال هنا يكون ماذا حققتم من نجاحات ديمقراطية على أرض الدنمارك حتى تنشروها في البلدان العربية؟

أين العمل الديمقراطي العربي على أرض الدنمارك، كيف لهؤلاء "الديمقراطيين الدنماركيين العرب" أن يدعموا شيئا لا يطبقوه على أرض الدنمارك ولا يعملوا من أجله بين أبناء جاليتهم، أم أن مزاد اللعب بورقة الديمقراطية أصبح هو أقصر الطرق لعدسات الكاميرات وصفحات الجرائد.

أليس أحرى بالديمقراطيين من عرب الدنمارك أن يعملوا هنا على أرض الواقع في "الغيتوهات" والأماكن التي تنتشر فيها الجريمة بدلا من التضرع للداعم الدنماركي من أجل إجازة مدفوعة الثمن في أحد فنادق القاهرة أو طرابلس أو الرباط.

لا شك أن هناك العديد من الأشخاص الذي احترفوا مهنة التربح على "ظهور الجالية" منذ زمن، بينما تعيش جمعيات و"مؤسسات الجالية" في عزلة وحالة سبات عميق، فلا صوتاً إعلامياً ولا دوراً سياسياً ولا حتى تجمعاً واحداً لمساعدة أبناء جلدتهم في البلدان العربية. بل العكس ما حدث. ففي خضم الثورات العربية وبينما كان آلاف الشبان العرب في مصر وتونس يرفعون شعارات الحرية والديمقراطية ويضحون من أجل ذلك بأرواحهم شاهدنا كيف أن مئات الشباب من أصول عربية إسلامية اختاروا أن يجتمعوا في أحد أعرق قاعات العاصمة الدنماركية كوبنهاجن من أجل أن يقولوا للمجتمع "نحن نرفض المشاركة في الديمقراطية"، فشتان بين من يريد أن يبني ومن يريد أن يهدم.

للأسف الشديد فإنه كما أمتهن البعض الصعود على "ظهر الجالية" ليخرج على شاشات التلفاز، فإن آخرين لا يملون خوض "الغزوات الإعلامية" الخاسرة تحت شعارات إسلامية ومصطلحات دعوية، وبعد أن "يأكلوا العلقة" يعودون ويعتذروا أو يتراجعوا أو يشكون قسوة الإعلام والسياسيين ولا يعيرون أي اهتمام لما تركته غزواتهم من أثر على صورة هذا الدين الحنيف لدى المواطن الدنماركي. فمتى سينتهي هذا المسلسل الممل والمحزن من مراهقات "رواد" الجالية العربية في الدنمارك؟

 بقلم: نضال أبو عريف

 

طالع أيضا:

حرب العصابات وحرب المصطلحات

لمحة حول واقع وتاريخ المسلمين في الدنمارك

بين عرب الدنمارك وغجر أوروبا

 

 

 

مواضيع ذات صلة