ونحن على أبواب يوم الاقتراع في الانتخابات البرلمانية الحالية تتجلى بطريقة لا لبس فيها ثقافة اللامبالاة التي يعشقها السواد الأعظم من عرب الدنمارك، فهم يعيشون تحت هذه السماء الزرقاء ولكنهم لا يهتمون بما هو فوق هذه الأرض، لا من قريب ولا من بعيد، وكأنهم جاءوا إلى هنا فقط لجمع المال وإنجاب الأطفال، فقط لا غير. فلا مشاركة سياسية أو اجتماعية أو ثقافية مدروسة في هذا المجتمع الذي فتح لنا الأبواب ولكننا أبينا إلا أن نبقى في صوامعنا ومساجدنا وكنائسنا ونوادينا وفي بيوتنا أمام شاشات التلفاز العربية، نتعامل مع هذا المجتمع على مبدأ ردود الفعل واستسلمنا للمعادلة التي وضعها اليمين الدنماركي، وأصبح خطابنا الإعلامي، إن وجد، ينبني على " أخرس، وريح رأسك"، فننظر اليوم إلى المؤسسات والجمعيات العربية وبعد أكثر من أسبوع على إعلان موعد الانتخابات فلا نكاد نراها أو نسمع صوتها، وكأن هذه القيادات التي تتربع على "عروشها الوهمية" لم تفق بعد من الغيبوبة التي ارتضتها لنفسها وارتضاها أبناء الجالية العربية لها.

نعم، فهؤلاء "الزعماء" في غيبوبة فكرية وغياب واضح عما يدور في هذا البلد، فلا يكفي أن يطلق الشخص على نفسه بأنه رئيس رابطة أو مجلس أو مركز أو وقف أو جمعية أو ملتقى أو تجمع أو جمعية شبابية أو جمعية نسائية بدون أن يشارك بفاعلية في المجتمع الذي يعيش فيه. ولكن الغريب كيف يقبل عرب الدنمارك بهذه الزعامات وكيف تسلق هؤلاء سلم القيادة؟ حتى أصبح بعضهم يتحدث باسم الجالية العربية والإسلامية في المؤتمرات الخارجية وهو في حقيقة الأمر معزول هنا ولا يعرف ماذا يدور حوله في المجتمع ولا في صفوف الجالية، فكيف أصبح هذا الحال هو واقعنا؟!

وللأسف الشديد فثقافة اللامبالاة لا تقتصر على الجيل الأول ولكن أيضاً موجودة بشكل كبير في صفوف الجيل الثاني، حيث ترى أغلبية كبيرة من الشباب من أصول عربية غير مبالين بما يحدث حولهم وعاجزين عن تحديد هويتهم وانتمائهم. وكيف لا يحدث ذلك وهم تربوا على ثقافة الأنانية والنجاحات الفردية. فعندما ينظر الشخص لمراكز المتطوعين الموجودة في التجمعات السكنية التي يسكنها العرب، والتي تقوم بمساعدة تلاميذ المدارس لتأدية واجباتهم المدرسية ترى أن أغلب المتطوعين من أصول دنماركية ولا يوجد بينهم أي شاب أو شابة من أصول عربية على الرقم من أن أغلبية التلاميذ المستفيدين من هذه البرامج ينحدرون من أصول عربية، فلماذا يحدث هذا؟!

ولا شك أن هناك فارقاً كبيراً بين ما يملكه عرب الدنمارك من حقوق وإمكانيات وواقع تطبيقهم واستفادتهم منها، ففي بلد يقدس الديمقراطية المحلية ويحث جميع سكانه على المشاركة الفعالة في كل مجالات الحياة ويمنحهم الحق في قول كلمتهم في كل القرارات التي تتخذ في البلاد، تجد عرب الدنمارك ومسلميه وكأنهم لا يدركون هذه الحقوق، فتنظر إلى تمثيلهم في المجالس البلدية والمحلية ومجالس السكان والطلبة والأحياء فتكاد لا تراهم.

وللأسف أيضا فإن ثقافة اللامبالاة لا تقتصر على المشاركة السياسية، بل تنتشر في أغلب المجالات، حتى في الطعام تراهم لا يبالون بمصدره وجودته، المهم لديهم هو سعره. وكذلك في تربية الأطفال والتواصل مع المجتمع بطريقة إيجابية.

فهل سيتغير هذا الواقع قريباً؟ هل سنرى مشاركة أكبر في الانتخابات القادمة؟ هل سنشهد محاولات للنهوض بالثقافة العربية في الدنمارك؟ هل سنرفع مستوى التعليم في مدارسنا ومستوى الوعي في جمعياتنا الدينية والثقافية والاجتماعية؟ والأهم من هذا كله: هل سنرى وجوهاً جديدة؟

هذه أسئلة قليلة حول الواقع المرير ومحاولة للبحث عن أسباب انتشار ثقافة اللامبالاة في صفوف الجالية، فربما يسمع "الطرشان" أو يبصر "العميان".

طالع أيضاً:

"عرب الدنمارك لا يقرؤن "

عرب الدنمارك وديمقراطية الخنادق

عرب الدنمارك ودمقرطة الشرق الأوسط

بين عرب الدنمارك وغجر أوروبا

لمحة حول واقع وتاريخ المسلمين في الدنمارك

 تحليل: انتخابات تاريخية في الدنمارك

لمحة حول اليمين المتطرف في الدنمارك  

عرب الدنمارك يجهلون حقهم في الشكوى على أجهزة الإعلام الرسمية  

تاريخ العرب في الدنمارك 

مواضيع ذات صلة