كلّما غادرت البيت – وأنا من محبّي المكوث في البيت إذا ما انعدم الدّافع للخروج – وتجوّلت في الشارع الدّانماركي أكثرت آسفا متحسّرا من لفظة "متخلّف"!... أسرّها أو أسمعها نفسي ولا أجاوز...

فهذا الذي يخرج من بلده الأصلي بشقّ الأنفس فارّا بنفسه وأهله لا يحمل من متاعه أو متاع بيته إلاّ ما ستر به نفسه، ثمّ يسيح في أرض الله فيحفظه الله بحفظه وييسّر له من أسباب العيش ما لم ير منها أيّام شدّته إلاّ ما كان من سبب النّجاة، ثمّ ينسى حاله تلك وينسى مُخرجه الذي كاد أن يفتنه حتّى في دينه، فيتفرّغ لأهل البلاد التي  بتسخير من الله سبحانه وتعالى آوته، يظهرهم – وهم ليسوا في حاجة إلى ذلك – بمظهر الكفّار الذين يجب الكفر بهم وبقوانينهم وتعاليمهم... يرفضهم ويرفض منهم كلّ شيء إلاّ مساعداتِهم... يسفّه طرق عيشهم ويعتزلهم... يحرّم ما أحلّوه لأمور دنياهم ويحلّل ما أحلّ هو دون خوف من ردود أفعالهم أو نفاد صبرهم!... يرفض ديمقراطيتهم ولكنّه يبتزّها ليقاومهم إن هم تململوا من تصرّفاته التي ركبت حريّة التعبير فأساء بها لهم ولها التعبير!... يعبّر عمّا في رأسه دون اعتبار لما قد تجنيه بناتُ رأسه على غيره من المسلمين، فإنّ القوانين اللاحقة إنّما تستصدر في هذه البلاد من هفوات النّاس الذين قد تجاوزوا حدود ما سمحت به القوانين السالفة!... متخلّف!...

 وهذا الذي ينزع كاتم صوت سيارته (العادم = échappement) فينطلق بها مُحدِثا ضجيجا لا تتحمّله الآذان السليمة ناهيك عن المُصابة... أو هذا الذي يطلق صوت مسجّله دون اعتبار لأحد وقد اختار تفاهات أشرطته الصاخبة المحدّثة بعالم فرّت منه المروءة في بلده الأصلي... أو هذا الذي قامر على الإشارة فلم يتوقّف إلاّ وقد داس على خطوط المشاة أصحاب الأولويّة والضوء الأخضر واعتلاها؛ فلا هم مرّوا مرتاحين آمنين ولا هو استحيى فتراجع كي يجتنب ملاحظاتهم وربّما سبابهم الخفيّ و"لعنهم" الظروف التي سمحت لمثله بمنعهم في بلدهم من أن يكونوا متّمتّعين بما يبيحه لهم قانونهم المنظّم للحياة... إنّه متخلّف!...

وهذا الذي أرخى سراويله وأكثر الصور في قميصه وضيّقه وبرم عضلاته وأبرزها ووضع عِقده وتناسى عَقده مع أصله وحلق رأسه أو أحدث فيه شأنا كشأن زراعة المرتفعات ونسي لغة قومه ولم يُجِد لغة بلد إقامته!... متخلّف!...

وهذا الذي قدم من بلد منكوب يأكل فيه الجوعُ أهلَه ويحرق الجاهلون فيه بأسلحتهم ما أبقى الجوعُ من حُطام أهله... وقد لبس لباس المترفين ثمّ ركب في المناسبات سيارة الليموزين (صعقت لمّا رأيت المشهد) ومشى مشية المختالين!... متخلّف جدّا!... "كافر" بنعمة الله...

وهذه التي وصلت البلاد متحجّبة محتشمة ثمّ "تحضّرت" فتمرّست فتطاولت فتمرّدت فخلعت الحياء عن لباسها فقتلت حياءها فخاصمت فداست فعقرت نسبها، فبدّلت فاندمجت اندماجا لم يبق لأصلها ولا لعرقها ولا لدينها أثرا!... متخلّفة بنت متخلّفين... والله نسأل الثبات وحفظ الدّين...

والمشاهد المحرّضة على إنطاقي بما أنطق كثيرة مؤلمة... ويكفي منها مشهد الذي طُرد من أرضه ثمّ لم يبذل الجهد في تربية أبنائه على معرفة عدوّه وعدوّهم ولم يرغّبهم في حبّ لغة قومهم ولم يحفّزهم على إبغاض سفاسف الأمور والتعلّق بعظائمها ولم يدرّبهم على التخطيط للرّجوع إلى الدّيار ولم يحسّسهم بما يعاني أهلهم في تلك الدّيار... متخلّف...

دنيا أكّدت حضورها في دنياهم... غالوا في المهور إذا زوّجوا... بالغوا في الصرف إذا جهّزوا... قيّدوا الحشمة وذبحوا الحياء إذا احتفلوا... تفنّنوا في الجريمة إذا عربدوا... كانوا متخلّفين فما أفلحوا... فيا ربّي ردّنا إليك ردّا جميلا وأجرنا من عمل القوم المفسدين...

 

مواضيع ذات صلة