فتراجع الاقتصاد وسقط عشرات الشباب الدنماركي في معارك خارجية بينما امتلأت ممرات المستشفيات الحكومية بأسرة المرضى ودور العلاج النفسي بآخرين لم يجدوا غيرها ملاذا، آلاف الطلبة في الكليات المهنية تحطمت أحلاهم ووقفت الحكومة عاجزة عن إيجاد أماكن تدريب لهم، ولا نريد أن نذكر بالمآسي التي شهدتها مراكز اللجوء حيث يمكث المئات من الذين جاءوا لهذه البلاد للبحث عن الحرية والكرامة فلم يجدوا سوى غرفة معزولة في معسكر أشبه بالسجن وانعدام كامل لحقوق الإنسان سواء كان ذلك في العمل أو التعليم أو الشعور بالاستقرار، فهذه أضحت وسمة عار في جبين الدنمارك.

وكيف لنا أن ننسى آلاف الأجانب الذين حرموا من الحصول على حقهم في المواطنة الكاملة بالرغم من أنهم يعملون ويدفعون الضرائب لسنوات عدة في هذا المجتمع، فأصبحوا كرهائن لليمين المتطرف، وضعف رؤساء الوزراء من أندرس فوغ راسموسن إلى لارس لوكه راسموسن، الذين كانوا بمثابة المنفذين المطيعين لنزوات زعيمة اليمين.

وتكفينا نظرة بسيطة إلى مدينة مالمو السويدية لنرى كيف أُجبر مئات الشباب على الهجرة من بلدهم لأنه حرمهم من حقهم الطبيعي في الارتباط بالشخص الذي يحبونه ويريدون أن يتقاسموا حياتهم معه، فرحلوا من الوطن الذي يحملون جنسيته وقد دفعوا عشرات آلاف الكرونات لنظامه الضريبي ليلجئوا للسويد وكأنهم يكررون قصة التشريد واللجوء التي أضطر لها آباؤهم قبل عدة سنين.

اليوم نتذكر هذه الغيوم السوداء التي سيطرت على حياتنا ويحق لنا آن نفرح وأن يحدونا الأمل بمستقبل أفضل وبلورة رؤية جديدة لمجتمع يحترم التعددية الثقافية ويقدس الحرية الشخصية والحقوق المدنية والإنسانية، بعد أن هبت رياح التغيير والإصلاح.

لقد حان للدنمارك أن تخرج من الجانب القاتم في سجلات منظمات حقوق الإنسان الدولية، وأن تعود لرشدها وتبني مستقبلاً يضمن مكاناً لجميع مواطنيها، وأن لا يكون هذا مجرد شعار ترفعه الحكومة، بل واقعاً يلمسه المواطن على الأرض.

ما عايشه الأجانب في الدنمارك على مدار الأعوام العشرة الماضية دفع للأسف نسبة غير قليلة منهم للانكماش والانغلاق على نفسها والبعض اختار طريق التطرف وعداوة المجتمع، ربما كان لهذه التصرفات مبررات في العقد الماضي، ولكن اليوم وبعد أن بدأت تتلاشى هذه المبررات، حان الوقت أن يفتح المنغلقون على أنفسهم نافذة على المجتمع، ومطلوب منا جميعاً أن نشارك بفاعلية وجدية في تحديد معالم مستقبلنا المشرق.

وبالرغم من كل هذا الأمل، فإننا نعي أن قوى اليمين لن تستلم للواقع الجديد وستحاول كلما استطاعت أن تحدث شرخاُ بين فئات المجتمع، وهذا يضع على كاهل الجمعيات والمؤسسات الأجنبية والعربية في البلد مسئولية كبيرة يجب أن تتحملها: فلنبتعد عن الانفعالات وردات الأفعال، ولنكن مبادرين في بناء جسور مع جميع قوى المجتمع والأهم من هذا كله فلنقف يداً واحدة أمام من اختار أن يعادي المجتمع وينعزل عنه، فلنحاول أن نقنعه بخطئه، وأن لا نترك أبناء الجيل الثاني والثالث لقمة سائغة لأفكاره الهدامة، لأن الأحداث التي عايشنها في السنوات الماضية أثبتت بما لا شك فيه أن قوى التطرف تغذي بعضها البعض وتسير بشكل متواز وهدفها هو تعميق الفجوة، فلنرد عليها ببناء الجسور الثقافية والمعرفية.

مقالات أخرى للكاتب

عرب الدنمارك ودمقرطة الشرق الأوسط
عرب الدنمارك وثقافة اللامبالاة

بين عرب الدنمارك وغجر أوروبا

لمحة حول واقع وتاريخ المسلمين في الدنمارك

                    

مواضيع ذات صلة