هل يمكن لنا بعد مرور ست سنوات أن نقول أنّ أزمة الرسومات التي عصفت بالدنمارك لأكثر من سنتين، والتي أثارت عاصفة من الاحتجاجات العنيفة ضدّ الدنمارك في العالم الإسلامي وغيره قد انتهت إلى لا رجعة؟؟ وأنّ الدنمارك قد استوعبت الدرس فعلا؟؟ أم أنّ المسألة هي مجرد قضية التقاط الأنفاس إلى أجل!؟ وأنّ سفينتها لم ترس بعد على اليابسة بأمان؟ وأن تداعياتها لا تزال قابلة للانفجار في أي وقت ممكن.

لقد كانت تجربتها رهيبة، حتى اعتبرها الدنماركيون بأكبر وأخطر أزمة مرت بها المملكة منـذ الحرب العالمية الثانية، خصوصا وأنهاّ كانت حبلى باثني عشر رسما كاريكاتوريا مسيئا وليس ستة أو سبعة وبالتالي حسب اعتقادي فإنها لن تنتهي بهذه السهولة التي توقعها الكثير من الناس، فإن كل رسم مسيء من الاثني عشر يحتاج إلى سنة كاملة من التصحيح، بل والتأكيد على عدم الإساءة من جديد، إلى جانب الكتاب الذي يحمل عنوان (طغيان الصمت) الذي أصدره - فليمينغ روسه - حيث أعاد فيه نشر الاثني عشر رسما. إلا أنّ الله خيبه ولم يلتفت إليه عامّة الشعب ناهيك عن خاصّته، ولم يجد الاهتمام والقبول الذي كان يعمل من أجله في 30 أيلول من العام الماضي بمناسبة الذكرى الخامسة للإساءة.

ويعتبر - فليمينغ روسه- المحرر الثقافي لصحيفة يولاند بوسطن المشؤومة، وهي من الصحف التي لعبت دورا غاية في السلبية في تعاطي وتعامل المواطنين الدنماركيين مع ضيوفهم، وبالتالي عرقلت عملية الاندماج، وذلك من خلال حملة سخيفة ومصطنعة لكنها جد منظمة، ضد أقلية مستضعفة من المغتربين من الجالية المسلمة، قادها مجموعة من الكتاب منذ الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001 من أبرزهم، - فليمنغ روسه - المتزعم والمحرض والعقل المدبر والمسؤول المباشر على نشر الرسوم المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم في 30 أيلول/سبتمبر 2005.

والكتاب الآخر هو لسيرة الرسام العجوز - كورت فيستاغورد - الذي يحمل عنوان (الرجل وراء الخط)، ويحوي بين دفتيه الرسم السيئ والمثير للجدل، ويدافع - كورت فيستاغورد- عن إعادة نشر الرسم في كتابه الجديد حيث يقول: ليس من المنطقي أن لا أضع هذا الرسم في كتابي، فإنه منشور في العديد من المواقع والصحف. انتهى كلامه، وهو ينسى أو يتناسى ما اقترفت يداه وأنه هو الذي رسم. والحقيقة فإنّه ينطبق على الرجلين -فليمينغ وكورت- ما قيل قديما:(وأنقله ببعض التصرّف مستسمحا الشاعر رحمة الله عليه)

تصّدر للإعلام كل مهوس ............. بليد تسمى بالإعلاميّ المدرس
فحق لأهل الإعلام أن يتمثلوا ............. ببيت قديم شاع في كل مجلسِ
لقد هزلت حتى بدا من هزالها ............. كلاها وحتى سامها كل مفلسِ

ولعلّ الأسئلة الأهم التي يجب أن تُطرح بين يدي الحادثة سيّئة الذكر كما أسلفنا هي التالية:
هل ساهم نشر الرسومات فعلا كما ادعى- فليمنغ روسه - في ترسيخ حرية التعبير؟؟
هل كان اختيار نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم من دون الشخصيات العالمية الأخرى المشهورة هو أحسن الطرق والوسائل للتأكد من ذلك؟؟
لماذا لم يختر المسيح عيسى أو نبي الله موسى عليهما وعلى رسولنا السلام مثلا؟، خصوصا أن الدنمارك مملكة نصرانية ويعيش فيها كذلك اليهود!!
لماذا لم تكن المحرقة اليهودية الهولوكوست، وقضية السامية مثلا هي المعنية في اختبار إن كان لحرية التعبير حدودٌ أم لا؟؟
لماذا لم تكن الديمقراطية مثلا، والأسرة الملكية هما المعنيين بالاستهزاء والاستهتار لمعرفة فعلا إن كان لحرية التعبير رقابة وحدود وقاهر؟؟
أليست هذه مبادئ مشتركة يتفق عليها الشعب بكل أطيافه مثقفيه وغير مثقفيه؟ وهي تجمعهم وتجمعنا جميعا! ويُتبيَّنُ من خلالها، لو استهزأ بها كما فعلت الرسومات المسيئة بالنبيّ محمد صلى الله عليه وسلم، مدى شيوع مبدأ حرية التعبير من عدمه؟!!!... أم أنّ رموز مملكة الدنمارك وما ذكرناه هي خطوط حمراء لا يقع تخطّيها ولو باسم حريّة التعبير؟؟!... وإذن فما الذي يدفع جرأتكم بلا حياء على رموز المسلمين والإنسانيّة قاطبة؟؟!!! أهي حرّية التعبير حقّا؟ أم هو عدم القدرة على التعبير السليم الذي به يكون التعامل في كنف الاحترام المتبادل وبه يُتوصّل إلى التعارف القاضي بالتعاون بين خلق الله أجمعين.

 

للتذكير فقط، في أواخر السبعينيات من القرن الماضي قام رسام و فنان دنماركي برسم صورة كبيرة على أحد جدران محطة القطار في منطقة قريبة من العاصمة كوبنهاجن، وكانت الصورة في غاية البشاعة والوقاحة؛ حيث رسم صورة تمثل في تصوره أنه المسيح عليه السلام واقفا دون ملابس (عريانا) مظهرا قُبُلَه – حاشاه عليه السلام -... وبمجرد ما أشيع خبر الصورة في الإعلام الدنماركي وشاهدها النّاس، أمر وزير النّقل بمسحها وإزالتها من على الجدار فورا. وفعلا أزيل ذلك الرّسم السيّئ المسيء والدنيء، والغريب في الأمر أنه لم تثرزوبعة وبعبع وفقاعة حرية التعبير، وحرية الرسام الذي بذل من الجهد والوقت والمال ليرى ثمرة جهده وفنه كما يدّعي فاقدو القيمة، وإن كان قد دار نقاش حول الرسم وليس حول منع الرسام، لكنه سرعان ما خمد كما تخمد النار المتبقية بعد حفلة الشوي.

 

وفي سنة 2006 وعندما تعقدت الأمور واشتدت الخلافات وانقسم المجتمع الدنماركي بين مؤيد ومعارض للرسومات المسيئة للرسول وحرية الصحافة والنشر، وأثناء الدفاع المستميت للغالبية العظمى من الإعلاميين بدعم من الحكومة الدنماركية وحزب الشعب الدنماركي، على عدم الاعتذار للمسلمين والإصرار على حقهم في التعبير الحر، باستثناء نخبة قليلة من الدنماركيين المنصفين لكن أصواتهم لم تكن ليستمع لها. وفي ظل ازدياد تفاعُل العالم مع الأحداث.اشتدت الضغوطات على الدنمارك شعبا وحكومة وبلغت خسائر الشركات الدنماركية المصدرة للعالم الإسلامي منتجاتها أرقاما خيالية بسبب المقاطعة؛ وتعالت الصيحات من داخل الدنمارك وخارجها على ضرورة حلحلة الخلاف، وتداولت وسائل الإعلام المختلفة وتردد على ألسنة الناس لفظة وعبارة [حرية الصحافة والتعبير] وكأنها لأول مرة تخطر على بال الناس.فوضع المسؤول الثقافي لصحيفة يولاند بوستن السيد -فيلمنغ روسه - على المحك وتحت اختبار صعب و تحديا كبيرا ليثبت فعلا للعالم أنّ [حرية التعبير] لا تقهر! ولا تخضع للرقابة أو …وأنها مقدسة وخطّ أحمر لا يتخطى. تمثّل ذلك التحدي في قيامه بنشر رسوم كاريكاتورية مسيئة للسيد المسيح عليه السلام -ونحن كمسلمين نرفض ولا نقبل ذلك، فرسول الله عيسى نبيّ بشّر بمحمّد وإيماننا لا يكتمل إلاّ بالإيمان به وبغيره من الرّسل الكرام عليهم وعلى نبيّنا الصلاة والسلام، فقبل السيد - روسه - وصحيفته المشؤومة التحدي ووعد شخصيا بالنشر، لكنه تراجع في اللحظة الأخيرة ولم يستطع فعل ذلك. لاحظ معي وضعْ ألف خطٍ وخطٍ تحت كلمة تراجع ولم يستطع... والسؤال يبقى إلى يوم الدين: لماذا تراجع الرجل عن وعده!؟ وفي الوعد إظهار لقيمة من قيم الدّيمقراطيّة "حرّية التعبير".

إذا، أين الإصرار على عدم الخضوع لأي قوة كانت في العالم، لإيقاف عجلة [حرية الصحافة] والتعبير؟!!! وكما يقال تفسير الواضحات من المفضحات.

 

مقالات أخرى للكاتب:

المشاركة السياسية في الدنمارك ضرورة حتمية

الإسلاميون والمشاركة السياسية

الإعلام الدانماركي بين الهواية والاحتراف

                    

مواضيع ذات صلة