انتهت الأحزاب الفائزة في الانتخابات البرلمانية الأخيرة منذ أيام قليلة من وضع خطتها القادمة، والتي ستُبنى عليها السياساتُ وتسن وفقاً لها القوانينُ في الأربع سنوات القادمة على الأقل، إلا إذا فازت الأحزاب نفسها في الانتخابات القادمة مرة أخرى.

وما هي إلا ساعات قليلة بعد أن تسربت أنباء عن الخطة الجديدة إلا وتلقتها ألسنة الحكومة الليبرالية السابقة بالترحاب تارة وبالمديح تارة، ولكن ليس اعترافاً منهم بدقتها وتمامها، وإنما بسبب ما سموه اقتباساً من خطتهم المالية الخاصة.

ولعل هذا ما دفع رئيس الوزراء السابق - في المؤتمر الصحفي الذي عقد في رئاسة الوزراء والذي شهد تبادل القيادة بين رئيس الوزراء السابق لارس لوكه راسموسن إلى رئيسة الوزراء الجديدة هيله تورننج سميث- إلى تقديم حقيبة يد هدية لرئيسة الوزراء الجديدة مفصلة من أوراق الخطة المالية لعام 2012 للحكومة الليبرالية التابعة للمعسكر الأزرق.

وبغض النظر عن سخرية الهدايا المتبادلة في ذلك اليوم بين الوزراء، إلا أنها تبقى لمحة رائعة عن التنازل بأدب وبكل روح رياضية عن السلطة، ولكن هل غيرت الحكومة الجديدة التابعة للمعسكر الأحمر الاشتراكي من سياستها فعلاً لتنتهج مكانها سياسة ليبرالية تابعة للمعسكر الأزرق كالحكومة السابقة؟؟؟

قد يبدو الوضع كذلك إذا ما عرفنا أن رئيسة الوزراء الجديدة تخلت عن بعض الوعود الانتخابية التي بنت عليها خطتها الاقتصادية، فبعد أسبوعين من المفاوضات مع حزب الشعب الاشتراكي وحزب الرايكال، تخلت عن التمسك بالتقاعد الاختياري- الإفتر لون، الذي كان نقطة جدال طويل بين الحكومة السابقة والحكومة الحالية حين كانت معارضة في ذلك الوقت، كذلك تخلت عن فكرة العمل "12 دقيقة" إضافية يومياً، وهي أيضاً ما دافعت عنه رئيسة الوزراء الحالية بشراسة حين كانت زعيمة للمعارضة، أضف إلى ذلك ضرائب المليونيرات التي وعدت بفرضها، ولكن يبدو أن هذه الضرائب لن ترى النور في هذه الدورة الانتخابية، وغيرها من الوعود التي راحت أدراج الرياح.

فهل اتبعت الحكومة الحمراء- الاشتراكية- سياسة زرقاء- ليبرالية؟

ولم تكتفي رئيسة الوزراء بالتخلي عن كل هذه الوعود، بل إنها اتجهت إلى سياسات كانت الحكومة الليبرالية السابقة تنادي بها وتعارضها هي، فهاهي وافقت على إلغاء التقاعد الاختياري، ولم تستطع تمديد فترة إعانة البطالة إلى 4 سنين مرة أخرى بعد خفضتها الحكومة السابقة إلى سنتين بالإضافة إلى ما ذكرناه في السابق.

ولكن كل هذا لا يعني بالضرورة أنها انتهجت سياسة ليبرالية زرقاء، وإن كانت بعض نصوص الخطة الجديدة تشير إلى ذلك، ولكن يبقى هذا كله على صعيد واحد وهو الصعيد الاقتصادي وقد يتداخل معه جزء صغير من الصعيد الاجتماعي.

إلا أن نظرة الحكومة الجديدة للأجانب على سبيل المثال تبقى مغايرة تماماً عن نظرة سابقتها التي لوثها حزب الشعب الدنماركي بحقده وكرهه للأجانب، وهذا ما رأيناه في المقترحات الجديدة الخاصة المتعلقة بلم الشمل والإقامة الدائمة وحتى الجنسية، كذلك المساعدات الاجتماعية التي تسعى الحكومة الجديدة إلى تحسينها خير دليل على اختلاف السياسة بين الحكومتين وإن تشابها في بعض النقاط.

وللعلم، وجدت رئيسة الوزراء هيله تورننج نفسها مضطرة إلى هذه التغييرات الجذرية في خطتها الاقتصادية، وذلك لأنها لم تحصل على الأغلبية المريحة، وبالتالي وجدت نفسها مضطرة للتنازل عن الكثير في سبيل إرضاء حزب الراديكال الذي ينتهج سياسة ليبرالية اقتصادية، إلا أنه يصنف نفسه حالياً ضمن صفوف المعسكر الأحمر الاشتراكي.

فالحقيقة هي أنه شتان بين سياسة الحكومة الاشتراكية - الحمراء- الحالية على كافة الأصعدة، وبين الحكومة الليبرالية- الزرقاء- السابقة، ولكن كما قالت رئيسة الوزراء الجديدة "هذا هو البرلمان، ويجب على المرء أن يخرج بأكثر ما ينفعه من الاتفاقات إذا لم يحصل على الأغلبية التي تسهل له تنفيذ سياساته".

مواضيع ذات صلة