من مؤشرات احترام الدول لنفسها وتاريخها هو مدى حفاظها على ذاكرتها الثقافية والفنية حيث تشيّد المتاحف وتعيد ترميم فضاءات لها بعد رمزي فيما يخص أحداث ذات دلالة لصيرورتها كأمة وتصون ذاكرة أبطالها وفنانيها وأدبائها وسياسييها. في أوسلو، عاصمة النرويج، بالإضافة إلى المتاحف العديدة حول حياة الفايكينغ والمغامرين النورسيين الذين جابوا البحار والمحيطات وبالإضافة إلى حديقة الفيكلاند ذات المئات من التماثيل التي توحي إلى احتفالية شبه جنونية بالجسد الإنساني، تجد أمام القصر الملكي، غير بعيد عن الميناء المطل على فجورد أوسلو (فجورد: بحيرة مالحة وعميقة) متحفا صغيرا ولكن أهميته كبيرة، للمسرحي العملاق هنريك إبسن. يعتبر إبسن بحق من أكبر المسرحيين في العالم، إن لم نقل أكبرهم بعد وليام شكسبير. لقد أحدثت مسرحياته رجات ثقافية وردود فعل كبيرة في نرويج القرن التاسع عشر الفقيرة والمحافظة آنذاك حيث استطاع أن يضع أصابعه على نقط حساسة في التحول المجتمعي مع إضفاء طابع إنساني عليها، لا يقدر عليه إلا الفنانون الكبار. لأن النرويج كانت آنذاك محافظة ومتزمتة (مثلها مثل كثير من المجتمعات الإسلامية حاليا) فقد اختار إبسن الهجرة إلى إيطاليا ثم ألمانيا (مع بعض الفترات في فرنسا) ليمكث هناك أكثر من ربع قرن وليكتب أكبر روائعه التي مازالت قيمتها تعبر عن آلام وطموحات ومركبات وتناقضات الإنسانية إلى حد الآن.

بعد ذلك استقر إبسن رفقة زوجته الكاريزماتية التي أثرت على حياته وفنه بشكل كبير في شقة راقية (حسب معايير الرقي المعمول بها أواخر القرن التاسع عشر) في الشارع المحادي للقصر الملكي ليمكث هناك حتى موته سنة 1905. ( كان ملك النرويج يفتح له أبواب حديقة القصر ليتجول فيها وكان إبسن يحس بالفخر من جراء هذا التقدير. على عكس الآن، فأبواب حدائق القصر الملكي كانت آنذاك موصدة في وجه العموم). قبل ثلاث سنوات تمت إعادة اقتناء الشقة من طرف مجموعة من الأشخاص الذاتيين وتم إيجاد التمويل للبحث عن الأثاث الأصلي لاقتنائه من جديد وإعادة ترتيب بيت إبسن كما كان عليه (تقريبا) قبل مئة سنة. النتيجة هو متحف جميل بكتبه وأثاثه ولوحاته الفنية وتسجيلات صوتية بالنرويجية والانجليزية لمشاهد من روائع إبسن المسرحية وكذا عروض إلكترونية لصور له ولأفلام حوله. ما أدهشني في أمر هذا المتحف هو أن التقديم الذي تقوم به إحدى المضيفات ليس فيه تمجيد زائد عن اللازم للمسرحي الكبير بل فيه سخرية وتجرد وواقعية هزلية ممتعة،حيث لم يتم تجريد إبسن من إنسانيته ونواقصه لكي يقدم كبطل أسطوري متكامل. بالعكس، وأنت تغادر هذا المتحف الصغير الجميل ترافقك إنسانية إبسن مرددا عباراته الشهيرة وعناوين مسرحياته وتحاول تصور حياته اليومية حيث تجبره زوجته على الكتابة قبل أن يتمتع بالراحة أو بنزهة أو زيارة إلى " الكراندكافي"، مقهاه المفضل.

بالنسبة إلي، كون النرويجيين قاموا "بمتحفة" حياة إبسن دليل على احترامهم لمشاهيرهم ولتاريخهم وكونهم يقدمون هذا التاريخ بنوع من السخرية والخفة يدل كذلك على تجاوز البعد " القومجي" الذي يعطى دائما لإعادة بناء ذاكرة الأمة والوطن. السخرية تجاه الذات والوطن والمقدسات شيء صحي في حياة الأمم ولكنه بالنسبة للنرويج يأتي في نسق ثقافة غير مغرورة بنجاحاتها وثروتها. فرغم أن النرويج هي أغنى دولة في العالم (على مستوى الدخل الفردي) ومتربعة على قمة مؤشر التنمية ( في تبار دائم مع إسلندا وفينلندا والسويد والدانمارك حيث أن التنمية الآن أصبحت نوعا من " الساغا" الاسكندنافية) فإن مواطنيها غير مغرورين بذلك، فحياتهم تظل عادية، وسياراتهم عملية ومساكنهم مناسبة لحاجياتهم لا غير وملابسهم وظيفية. قد ترى عددا أكبر من السيارات والفيلات الفخمة في مراكش أو البيضاء أو مدن الشمال (خصوصا في الصيف) منه في أوسلو رغم أن المغرب يبتعد عن النرويج ب 126 درجة على سلم التنمية البشرية الأممي. عوض السيارات الفخمة والفيلات والقصور، يستثمر النرويجيون في التربية والثقافة والبيئة ودعم الديمقراطية ودعم مؤسسة العائلة ومساعدة الإنسانية على حل مشاكلها ومساعدة الأمم المتحدة على إيجاد حل للنزاعات الدولية.

رغم فخرهم بثقافاتهم النورسية والماضي الفايكينجي، فإن النرويجيين مواطنون عالميون بكل معنى الكلمة. فمساهماتهم في أنشطة الأمم المتحدة لا تحصى، وعدد النزاعات التي ساهموا في فضها كثيرة، ودبلوماسيتهم صامتة ولكن فعالة وناجحة (على عكس الدبلوماسية الأمريكية أو الفرنسية). قبل سنتين، كنت في مهمة بشمال إثيوبيا فالتقيت بضابطين أحدهما دانماركي والآخر نرويجي يعملان ضمن قوات حفظ السلام على "الحدود" بين إثيوبيا و إريتريا. وما أثار انتباهي هو ثقافة الضابط النرويجي السياسية والدولية المتطورة ومعرفته بالقوانين الدولية وحماسه لكونه يساهم في فض النزاع بين إيثوبيا وإريتريا ومعرفته الدقيقة بتاريخ النزاعات وتاريخ إفريقيا إلى حد جعل لقاءنا حول فنجان قهوة يتحول إلى نقاش عريض دام ساعات. لم تكن هذه أول مرة ألتقي فيها بنرويجيين يعملون تحت إمرة الأمم المتحدة أو كوزراء سابقين في حكومات نرويجية أو مسؤولين في منظمات غير حكومية أو إنسانية ودائما كنت أنبهر بالثقافة الواسعة لديهم والالتزام الحماسي بحل مشاكل الإنسانية والأمل في مستقبل أفضل للجميع دون عجرفة أو فخر زائد وبتواضع يجعلك تشفق على سياسيينا ومسؤولينا.

ما يعطي للنرويج والنرويجيين هذه الثقة (المتواضعة) في الإنسانية هو ثقتهم في نفسهم. الديمقراطية في النرويج (مثلها مثل مثيلاتها في السويد و فينلندا والدانمارك) مباشرة وتكاد تقترب من التسيير الذاتي المباشر الذي نجده في سويسرا. هناك مساءلة ومحاسبة دقيقة لعمل المنتخبين، وهناك رقابة من طرف المواطنين والصحافة والمجتمع المدني على كل شاذة وفاذة في عمل الحكومة والمجالس المنتخبة. بل إن هناك مصلحة في كل مؤسسات الدولة خاصة باستقبال المواطنين ليطلعوا على حساب المؤسسة وخصوصا على ما يصرفه المسؤولون ومساعديهم في السفريات والدعوات وغيرها. الشعب لا يرحم السياسيين حيث يشارك ويحاسب ويسائل ويصوّت وينخرط. والسياسيون يعتبرون أنفسهم خدما للشعب يمتثلون لقواعد اللعبة بشكل شبه صوفي. للملك دور رمزي كضامن لوحدة البلاد واستمراريتها ورمز لمؤسسات الدولة، غير أن الحكومة هي المسؤولة عن تدبير شؤون البلاد وهي مسؤولة أمام الشعب. إنها ديمقراطية أبانت عن فعاليتها لأنها خوّلت للشعب النرويجي أخذ زمام أموره بيده في نوع من المسؤولية أمام التاريخ والإنسانية والأجيال القادمة.

والمسؤولية أمام الأجيال القادمة تتجلى في تدبير عقلاني لموارد النفط حيث تم وضع صندوق خاص لاستثمار أموال النفط لا يحق لأي كان استعماله حاضرا. هكذا فإن موارد البترول يتم استثمارها في الأسواق المالية الدولية وترويجها لجني فوائد أخرى مما جعل ثروة النرويج تكبر إلى درجات عليا. يعرف النرويجيون أن النفط ثروة غير دائمة، لهذا لم يبدّروا موارده بشكل لا مسؤول كما تفعل دول أخرى منتجة للنفط. حين ستجف موارد البترول ستجد الأجيال القادمة ثروة مالية هائلة أمامها يمكن استعمالها لضمان ديمومة واستمرارية نمط الحياة الذي يسلكه الجيل الحاضر. إنها نفس الرؤيا المتواضعة للحياة والموارد الطبيعية والمستقبل.

صحيح أن هذا الصندوق هو الذي تم التأثير عليه من طرف أعداء الوحدة الترابية المغربية للضغط على شركة كيرماجي لوقف الاستكشاف في عرض سواحل الصحراء المغربية، مما يعني أنه تم استعمال هذه الثروة استعمالا سياسيا وضد مصلحة الشعب المغربي. ولكن هذا الخطأ لا يضاهيه إلا تقصيرنا شعبا وحكومة ومجتمعا مدنيا في التأثير على الرأي العام النرويجي وشرح تاريخنا ومواقفنا وفضح أطروحة الجزائر والبوليزاريو.

أولا، ما تخصّصه الحكومة المغربية لميزانية الأنشطة الثقافية الدبلوماسية التي يجب أن تقوم بها سفاراتنا في دول يركّز عليها أعداء الوحدة الترابية المغربية (كالدول الاسكندنافية وإسبانيا وإيطاليا و أمريكا الشمالية وأمريكا اللاتينية) لا يمثّل حتى 1% مما تخصّصه الجزائر ضد مصالحنا. زد على هذا أن الخارجية المغربية لا تعتمد على الخبرات الوطنية وعلى منظمات المجتمع المدني للتأثير في الرأي العام في النرويج وفي دول أخرى اخترقت آلة الدبلوماسية الجزائرية مجتمعاتها المدنية. لهذا فإن تم التأثير على صندوق الاستثمار النرويجي من طرف أعداء المغرب للضغط على كيرماجي للانسحاب من سواحل المغرب الجنوبية، فلأن المغرب، كعادته، يترك الساحة فارغة للجزائر والبوليساريو لكي يؤثروا على الرأي العام في إسبانيا والنرويج والسويد وإيطاليا ومعظم دول أمريكا الجنوبية ودول إفريقيا جنوب الصحراء غير الناطقة بالفرنسية. السفراء وحدهم غير قادرين على لعب هذا الدور: يجب تجنيد المجتمع المدني والجامعة والمفكرين والمثقفين والأحزاب والصحافة والتركيز على الدول التي أصبح رأيها العام معاديا لقضيتنا الوطنية مثل النرويج.

ولكن كون الرأي العام في النرويج لا يفهم مشروعية قضية الصحراء بالنسبة للمغرب لا يعني أنه لا يجب علينا أن نفهم التجربة النرويجية كذلك ونتعلم منها. بالإضافة إلى التواضع والحفاظ على الثروات الطبيعية والتفكير في أجيال الغد والديمقراطية المتطورة والتركيز على التربية والمعرفة، فالمجتمع النرويجي ليس إتكاليا كمجتمعاتنا التي تعوّل على الدولة لكي تفعل كل شيء من أجلها. المجتمع النرويجي يأخذ زمام أموره بيده ولا يقضي معظم أوقاته في المقاهي والإضرابات وخارج مقاهي العمل ينذب حظه وينتظر غودو/ الدولة، كما نفعل نحن. المجتمع النرويجي يعتبر نفسه سيد حاضره وماضيه، وصانع قدره ومستقبله، فهو يطبق القانون قبل أن ترغمه الحكومة على ذلك، ويمارس حقوقه بنفسه، ويحاسب سياسييه محاسبة مسؤولة ويحافظ على ثرواته الطبيعية لأنها يعتبرها ملكا له لا للدولة. القيم التي يؤمن بها، والتي ورث بعضها من الأنكلوساكسونيين كالواقعية والعملية، وحب العلم والمعرفة التي ورثها عن الفايكينغ (مع تأثر كبير بالألمان والفرنسيين) وأخلاقية العمل المسيحية (البروتستانية) كل هذه القيم تجعل من التجربة النرويجية نموذجا يجب علينا دراسته بتمعن في المغرب حيث سيادة الشغف بالتجربة الفرنسية رغم أنها تبدو نوعا ما محدودة بالمقارنة مع التجارب الاسكندنافية والانجلوساكسونية.

المصدر: موقع هسبريس



 

مواضيع ذات صلة