تعود فكرة إنشاء المركز الثقافي الإسلامي في كوبنهاجن، إلى فترة السبعينيات من القرن الماضي، وذلك من خلال مبادرة طيبة ورائعة تقدم بها السيد" أحمد إبراهيم أحواس" رحمه الله، وهو أحد أعضاء السلك الدبلوماسي البارزين والقائم بأعمال السفارة الليبية آنذاك، والذي كان له اطلاع كبير وواسع على أوضاع الجاليات الإسلامية ومراكزها وأماكن تعبدها في أوروبا.

فأراد أن يحقق للمسلمين في الدنمارك حلما لطالما كانت أنفسهم تتوق إليه، على نفس النمط الذي عاين في كثير من الدول الأوربية التي كان يتجول فيها، منسقا مع إخوانه المسلمين من أبناء الجالية الإسلامية. ذلك هو: "المركز الثقافي الإسلامي"، الذي يقع في الناحية الشمالية الغربية من العاصمة الدنماركية كوبنهاجن.

وقد كان إلى جانب عمله في السلك الدبلوماسي الليبي، مشاركا كذلك في نشاط إسلامي تحت اسم "جمعية الشباب المسلم" بكوبنهاجن، والتي كانت تستأجر غرفة قرب محطة نوربورت nørreport بالطابق الثالث، حيث كان السيد" أحمد إبراهيم أحواس"  يقوم بتغطية مستلزماتها شهريا من ماله الخاص، وقد فكر في تحقيق ذلك الحلم [المركز الثقافي الإسلامي]، من خلال التشاور مع الخيرين من أبناء الجالية، و مستعينا بسلك السفراء المسلمين، وذلك بأن يقتصر دورهم على لجنة سميت في ما بعد بلجنة السفراء، أو "اللجنة الشرفية" للمركز، لتتم عملية الشراء أو البناء، تحت مظلة ذات صبغة شبه رسمية، من السفراء المسلمين، في مواجهة لا قدر الله أي محاولة اعتداء قد تحدث، سواء من المجموعات المعادية للمسلمين، أو حتى لا تفكر السلطات الدانمركية "في سحب الترخيص لاحقا بسبب ضغوطات الأحزاب المعارضة، وهو يمكن اعتباره كذلك، كنوع من الحصانة".

هذا من جهة، ومن جهة أخرى حتى تصبح جمع التبرعات لشراء المبنى عن طريق مجموعة من ممثلي الدول الإسلامية الرسميين، وليس بأموال دولة واحدة، وكان "أحواس" يستغل كل فرصة مواتية للتعريف بالمشروع حتى قبل شرائه. وقد انتهز فرصة زيارة الرئيس الموريتاني "مختار ولد داده" رحمه الله لكوبنهاجن في مهمة سياسية، فدعاه لزيارة المصلى المذكور في الطابق الثالث بمحطة نوربورت، وعرض عليه التبرع للمشروع باسم دولة موريتانيا، فقام "ولد داده" بتلبية الدعوة وأداء صلاة ركعتين في المصلى الضيق، الذي لا تزيد مساحته آنذاك عن 30 متر مربع، ثم أصدر أوامره بالتبرع بمبلغ يقارب 17 ألف كرون، وهو مبلغ محترم في ذلك الوقت. وضع في الحساب المصرفي التأسيسي للمركز كباكورة للمشروع، كالغيث يبدأ بالقطر ثم ينهمر، حيث تلاه مبلغ آخر من جمعية الدعوة العالمية الليبية، ثم مبلغ ثالث من السفارة السعودية. وقد تم بحمد الله، ثم بفضل جهود التعاون المثمر بين كل من السفارات العربية: المصرية والمغربية والليبية والسعودية، بالإضافة إلى السفارات الأخرى ذات الصلة بالمشروع، الأردنية والباكستانية والتركية وضع اللبنة الأولى وحجر الأساس.

تم هذا كله بفضل الله في بداية السبعينيات من القرن الماضي. وقد وضع نظام وقانون أساسي للمركز آنذاك، مكون من لجنة عاملة يرأسها الأخ "جون يحيى زكرياسين" (دانمركي مسلم)، ونائبه الأخ "حسين الزين" من (الجالية اللبنانية)، بالإضافة إلى اللجنة الشرفية التي يرأسها بالتناوب أقدم سفير مسلم في كوبنهاجن. و لكن، وللأسف الشديد، انشغال السفراء بأعمالهم، وعدم حضورهم المنتظم للصلاة والتشاور والمتابعة، بالإضافة إلى تغير محل إقامتهم المستمر، جعل إشرافهم على المشروع غير مؤثر وغير مجدي. بعد استقالته من وزارة الخارجية الليبية، وانضمامه إلى المعارضة ضد الهالك "معمر القذافي" في الخارج، غادر الأخ "أحواس" العقل المدبر، وصاحب الفكرة و المبادرة والفضل في إنشاء المركز الثقافي الإسلامي، بلد الدنمارك وانقطع بذلك الرافد الأساسي للمشروع، وترك الأمر بيد اللجنة الشرفية لعدة سنوات أخرى بلا طائل. و في النهاية تم شراء المبنى الحالي، والذي كان مصنعا قديما للألبان، يضم مسكنا للمدير ثم انتقل في ما بعد للإمام.

وقد كان السبب في عزوف أعضاء "جمعية الشباب المسلم" عن متابعة مشروع شراء مبنى المركز بعد مغادرة الأخ "أحواس" الدانمرك، هو: كون النشاط الدعوي آنذاك كان محفوفا بالمخاطر والحذر الشديد، إما بسبب ملاحقة الإسلاميين في بلادهم الأصلية، أو للدور التقليدي السلبي، الذي كانت تقوم به بعض السفارات العربية، بالتجسس على رعاياها، وجمع البيانات عن القائمين على الأنشطة الإسلامية، وجنسياتهم وانتماءاتهم الدعوية.. مما كون سياجا طبيعيا بين المركز والجمعيات الإسلامية الحرة والمستقلة، وسبب الفجوة والبعد الكبيرين بين أبناء الجالية، وخصوصا الفارين من قسوة الحكومات الظالمة، والتردد على المركز الإسلامي الثقافي بكوبنهاجن آنذاك.

لقد مرت الآن، خمس وثلاثون عاما تقريبا على إنشاء المركز الثقافي الإسلامي. هذا الصرح الذي كان المسلمون في بداية الهجرة فخورين بإنشائه، نظرا لقلة تعداد الجالية آنذاك وعدم وجود المساجد والمصليات كما هو عليه الوضع اليوم والحمد لله… كان منتظرا من هذا المركز أن يكون منارة ورمزا لنمو وتقدم جاليتنا الإسلامية في الدنمارك ولمَ لا في اسكندينافيا كلها… حبّذا لو كان للمسجد قبة ذهبية أو فضية أو نحاسية أو حتى إسمنتية، يحفها من الجانبين منارتان حتى وإن لم يتسنّ أن يؤذّن خارجه، ويخصص جزء من المشروع  لتوسيع صحنه ليتّسع ﻷكبر عدد من المصلين والرواد، تُلحق به مدرسة إسلامية للتعليم أو التعلّم فيها وبها خلال عطلة نهاية الأسبوع... كما يجدر بنا التذكير إلى أنّ من الأهداف الرئيسية التي أنشئ المركز من أجلها، أو التي يجب أن يكون قد أنشئ من أجلها - بالإضافة إلى أداء الصلاة فيه وتعليم أبناء الجالية وتغسيل الأموات - الوصول إلى غير المسلمين من الدنماركيين لنشر الإسلام وشرح مبادئه لهم وإزالة أو تصحيح الكثير من المفاهيم الخاطئة عن ديننا في أذهان غير المسلمين وترجمة الكتب الإسلامية إلى اللغة الدنماركية، واستقبال الوفود من المدارس والمعاهد ومؤسسات المجتمع المدني الدنماركي، وإقامة المخيمات العائليّة والكشفية لأبناء الجالية الإسلامية، وإقامة المحاضرات والندوات والمناظرات حول الإسلام، خدمة للمسلمين ولغير المسلمين على حدّ سواء، فيسهم بذلك في مدّ جسور التعارف معهم وكسب ثقتهم!... ولكن ومع الأسف الشديد - وأقولها بكل مرارة - تبيّن أنّ المركز لم يَعْدُ كونه صرحاً من الحجارة والإسمنت، إذ لم يشعّ بالخير، ولم يقدم للمسلمين إلى يومنا هذا ما كان منتظرا منه أو متوقعا في كل المجالات، سواء الدعوية أو الخدمية!... وحتى نكون منصفين فإنّا نشير كذلك إلى أنّ ما تكلّمنا عنه سالفا ممّا تعلّق بعميلة غسل أموات المسلمين رحمهم الله تعالى أجمعين، لم تكن – حسب علمي – إلاّ عمليّة تطوّعية ليس فيها ما يثقل كاهل المركز... وهي عمليّة تتم في دورة المياه القريبة من المراحيض، ولعلّ فيها من الإساءة إلى موتى المسلمين ما يؤكّد ضرورة مراجعتها وحسن السهر عليها...

خمس وثلاثون سنة والوضع كما هو عليه، ولم يخطر على بال إدارة المركز الإسلامي الموقرة أن تخصص غرفة مستقلة تتوفر فيها ما تتطلبه العملية لغسل الأموات إكراما لهم، خصوصا وأنّ مساحته لا تخفى على الجميع، والمال والحمد لله لم يعدموه، فالمركز يستفيد من رسوم (الذبح الحلال) التي ترد عليه من مختلف المسالخ وشركات التصدير إلى الدول الإسلامية، وبخاصة دول الخليج، وهي أموال يفترض أن يخصص منها ولو قسط بسيط للترميم والصيانة والتوسعة على الأقل!..

يتساءل الناس عن أخبار هذا الصرح الكبير، {المركز الثقافي} لماذا ظلّ يراوح مكانه منذ تأسيسه؟ ألا ترون أنه من الظلم أن يطلق لفظُ {الثقافةْ} على مكان لا علاقة له بها لا من قريب ولا من بعيد؟ لقد صدمت عندما بدأت أبحث في الشبكة العنكبوتية للمعلومات، لأكتب عن المركز {الثقافي} الإسلامي ، حيث لم أجد في موقعه ما أستعين به من المعلومات الدقيقة في دراستي لأحواله في العديد من الجوانب!! وبما يقوم به من أنشطة!!، فقررت الاعتماد على جهدي الخاص. عندما أتحدث مع من عرفوه من الجيل الأول منذ تأسيسه خصوصا ممن كانوا قد غادروا الدنمارك منذ زمان لظروفهم الخاصة ثم شاءت الأقدار لهم العودة مجدّدا إليها، يقولون: سبحان الله!  كأنه! هو! لم يتغير فيه شيء. رغم أنه المؤسسة الإسلامية الوحيدة ﻷهل السنة في الدنمارك التي لا تفتقر ولله الحمد للتمويل والسيولة كما بيّنا! عكس العديد من المؤسسات والمساجد والمصليات الأخرى التي لا تكاد تجد حتى من يغطي لها مصاريف الإيجار، ناهيك عن التوسعة أو الصيانة، ولولا الخيرين من المتطوعين والمحسنين الغيورين من أبناء الجالية لأغلقت العديد منها أبوابها أمام المصلين منذ زمان!..

نأتي الآن لما هو أهم، عزيزي القارئ (ة). أنا أتحدث عن المركز الثقافي الإسلامي كمؤسسة، ولا أقصد شخصا بعينه، وليس لي أية مشكلة مع رواده والقائمين عليه، لأنّ الأشخاص والوجوه تتغير إما بانتهاء مدة عقد عملهم فيه، أو بانتقالهم إلى عفو الله تعالى نسأل الله الرحمة للجميع... وقد شاع بين الناس كما هو معلوم منذ زمن بعيد، أنّ المركز الثقافي الإسلامي يقوم على مراقبة طرق الذبح ووسائله في المسالخ الدنماركية قصد التأكّد من الحلّية وتصدير اللحوم الحلال التي تذبح حسب الشريعة الإسلامية إلى الدول الخليجية المسلمة، وهو معتمد من طرف اتحاد جمعية اللحوم الدانماركية ولم يزاحمه حسب علمي في ذلك الاعتماد أحد إلى الآن..!

وكان المفروض والمنتظر من جهة مسلمة حازت ثقة المسلمين أن تقوم بالواجب المنوط بها من حيث الإشراف والمراقبة والتدقيق على الوجه الأكمل المضي إلى اطمئنان المسلمين التامّ لذبائحه، غير أنّنا فوجئنا بعد كلّ هذه السنين (خمس وثلاثون سنة) أنّ الأمر كان فيه من الشك والريب والتدليس على المسلمين ما يعلمه إلا الله تعالى...فحسب تحري لجنة المراقبة التطوعية الأخيرة وبمشاركة فعلية من طرف المركز الثقافي الإسلامي في شخص إمامه، بتاريخ 30 مايو 2011 تبيّن أنّ ما لا يقلّ عن 10% من الأبقار المصعوقة تموت بسبب الصعق وليس بسبب الذبح، ممّا يؤدّي قطعا إلى اختلاط الحلال بالحرام.!!!

يا للخزي والعار!! ماذا أنتم قائلون لربكم؟ والنّاس يرونكم بمقامات غير مقاماتكم "كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون"... وهل هناك أكبر من المقت والغضب أن يتهاون ولا يبالي من (أمَنه) المسلمون على الذبائح فيتركها للدنماركيين غير المسلمين يتفننون في قتلها بمختلف أنواع الصعق، ثم يقدمها لهم على أنها حلال! عليها ختم الحلال!؟ كنت دائما أسمع من بعض الذين يحترمهم عقلي قولهم: أن المركز الإسلامي قد أبدى تعاونا وتجاوبا كبيرا، وأنه سيصلح كل الأخطاء والمخالفات الشرعية التي سجلت في كيفية الذبح، خصوصا بعد آخر زيارة لتفقد مسلخ مونس!. طيب: متى سيعمل على إصلاحها يا سادة!؟؟ لقد مر على القضية فقط منذ تفجيرها صدفة، ستة أشهر! بعد اكتشاف تلك الأخطاء والمخالفات الشرعية! فهل سننتظر مرور ثلاثين سنة أخرى حتّى نُطيب مأكلنا!!!... حسبنا الله ونعم الوكيل.


مقالات أخرى للكاتب:

المركز الثقافي الإسلامي في مهب الريح

       التخلص من إرث الملكية رغبة الكثير من الساسة الدنماركيين

اثنا عشر رسماً باثني عشر عاماً

             

مواضيع ذات صلة