وضعت الانتخابات البرلمانية الأخيرة كما هو معروف نهاية تاريخية لفترة حكم مديدة قادها الليبراليون وحدد مساراتها اليمينيون المتشددون. وجاء فوز المعارضة ليدشن مرحلة جديدة من المتوقع على نطاق واسع أن تتسم بتغييرات عميقة في السياسات والقوانين والرؤى والاستراتيجيات.

لكن عمل هذه الحكومة ومدى وفائها بالوعود الانتخابية التي أطلقتها سيكونان محكومين بعاملين مهمين يشكلان التحدي الأكبر وهما العبء الثقيل الذي تركته الحكومة السابقة، وطبيعة وشروط التركيبة السياسية التي تتألف منها الحكومة الجديدة وحلفاؤها.

في ما يخص العامل الأول، ورثت هيله تورننج سميت تركة ثقيلة من سلفها، حيث الوضع الاقتصادي سيء، وخزانة الدولة خاوية، والتفاوت الطبقي أشد وضوحاً، والبطالة في أعلى مستوياتها، هذا فضلا عن التقليصات المتكررة في مصروفات الدولة على الخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية والتي ألقت أعباءً كبيرة على كاهل شرائح واسعة من السكان. إضافة إلى التشديدات غير المسبوقة في قوانين الإقامة والجنسية والتجاوزات المتكررة على المعاهدات الدولية والأوروبية.

وفي ظروف الدانمارك الداخلية والأوروبية والدولية الحالية لا نعتقد أن الحكومة الجديدة قادرة على التخلص بسهوله من تركة الماضي، كما لا نعتقد أنها ستفي بكل الوعود الانتخابية التي قطعتها. وإذا كان ذلك مقبولا بحدود في ظل الظروف الحالية، فإن التلكؤ في مجال قوانين الأجانب لا يمكن أن يكون مبررا. فالدنمارك الآن ليست فقط أكثر الدول الأوروبية تشدداً في هذا المجال، وإنما أيضاً أكثرها خرقا للمعاهدات الدولية والأوروبية.

 

أما العامل الثاني فيتعلق بتركيبة الحكومة التي تقودها سميت حاليا، وهي في واقع الأمر تحالف سياسي بين الوسط ويسار الوسط واليسار وأقصى اليسار. ورغم أن جميع هذه الأحزاب تحتاج دعم بعضها لكي تستمر الحكومة وليس لديها بديل آخر، فإن الانسجام بينها يبقى مقلقاً. وإذا كان حزبا الراديكال والديمقراطيين الاشتراكيين قد جربا الحكم سوية في تسعينات القرن الماضي فإن حزب الشعب الاشتراكي يشارك لأول مرة في تجربة الحكم، كما أن حزب القائمة الموحدة اليساري المتشدد يحصل لأول مرة على هذا العدد الكبير من المقاعد البرلمانية والذي أعطاه وزنا سياسيا لا يمكن لرئيسة الحكومة أن تستهين به.

 

لكن تجربة الشهر الأول من الحكم تشير إلى أن هيله تورننج سميت وحكومتها  تسير في طريقها الوعر بحذر شديد وهي ليست متعجلة في إحداث تغييرات عميقة، كما أن فيلي سوندال زعيم حزب الشعب الاشتراكي ووزير الخارجية في الحكومة الجديدة، لم يتخذ في السياسة الخارجية حتى الآن أية مواقف متشددة من قبيل تلك التي حذرت منها الحكومة السابقة والمعارضة الحالية، بل إنه بدا أقرب إلى الوسط منه إلى اليسار، حيث اتسمت تصريحاته بالاعتدال، والاعتدال الشديد أحياناً. ولعل جملة تصريحاته في الاجتماعات الأوروبية وموقفه الأخير في ما يخص عضوية فلسطين باليونسكو خير دليل على ذلك.

أما حزب القائمة الموحدة فلم يحصل حتى الآن على ما كان يصبو إليه من نفوذ يماثل ما كان يتمتع به حزب الشعب الدانماركي في الحكومة السابقة، سواء كان ذلك في مجال السياسة الخارجية، أو في المسائل الداخلية. وأهم مسألة في هذا المجال هي مسألة الموازنة السنوية التي جري التفاوض حولها بين أحزاب الحكومة وتم الإعلان عنها مؤخرا، حيث طالب حزب القائمة الموحدة بتخصيصات مالية في مجالات اجتماعية عديدة تخص شرائح سكانية واسعة.

فهل ستفي الحكومة بوعودها أم سيكون لضغوط الداخل والخارج القول الفصل؟

 

مواضيع ذات صلة