عندما أعلنت الحكومة الدنماركية السابقة في 20/3/2003 قرارها المثير للجدل بدخول الدنمارك في الحرب على العراق ولأول مرة بعد الحرب العالمية الثانية، كان قادة وأحزاب ومؤيدو الحكومة الحالية ضد ذلك القرار بشكل مطلق، وقد سجلوا مواقفهم في حينه بتصريحات وبيانات وتظاهرات كبيرة شارك فيها مئات الآلاف من الدنماركيين الذين رفضوا ذلك القرار وأطلقوا سؤالاً كبيرا عن أسبابه ودوافعه وعن مصلحة الشعب الدنماركي فيه.

ومما لاشك فيه أن الدنماركيين الذين رفضوا ذلك القرار وتظاهروا ضده لم يتعاطفوا في حينه مع النظام العراقي المعروف بدمويته واستبداده، لأنهم كانوا ضده بشكل واضح، وكانوا يدعمون معارضيه بكل الوسائل، لذلك فإن المزايدات السياسية التي روجتها الحكومة وغيرها في حينه كانت باطلة ولا أساس لها.

وبغض النظر عن مبررات الحكومة والمعارضة آنذاك وما آلت إليه الأمور في العراق، وما تكشف من حقائق وأكاذيب، فإن من حق الشعب الدنماركي اليوم أن يعرف الأسباب الحقيقية التي دفعت الحكومة السابقة وحزب الشعب لاتخاذ ذلك القرار رغم مضي ثمان سنوات عليه. لذلك فإن توجه الحكومة الحالية لتشكيل لجنة مستقلة تحقق في هذا الموضوع يبدو توجها صحيحا. لأنه أولاً سيلبي مطلبا شعبيا وسيساعد على تبديد الشكوك التي أحاطت بذلك القرار. كما أنه ثانياً سيستجيب لمطلب أحزاب الحكومة الحالية الذي رفعته على مدى عدة سنوات بتشكيل مثل هذه اللجنة، لكن الحكومة السابقة كما هو معروف، رفضته رفضا قطعيا. فليس مقبولاً أن تطالب أحزاب المعارضة السابقة بتشكيل مثل هذه اللجنة وتتخلى عن ذلك عندما تتسلم الحكم.

ولا يدخل تشكيل لجنة رسمية للتحقيق، في باب حسابات الثأر بين المعارضة والحكومة، كما قد يتصور البعض، وإنما يمثل استجابة لمقتضيات دستورية ولتقاليد ديمقراطية باتت معروفة في الديمقراطيات الغربية. فقد أجرت عدة دول من بينها بريطانيا تحقيقا في قرار الدخول بالحرب، واستجوبت كبار المسؤولين الذين اتخذوه، لأنه تم لأسباب لم تثبت صحتها ومن دون تفويض رسمي من الأمم المتحدة، وكلف الدول المشاركة خسائر كبيرة.
فالدنمارك مثلا دفعت جراء مشاركتها بالحرب في العراق بين عامي 2003 و2007 ثمنا باهظا جداً. لدينا في هذا المجال أكثر من عشرين عسكرياً قتلوا أو جرحوا بعبوات ناسفة وعمليات قتالية، إضافة إلى عدد كبير من المرضى النفسيين الذين ما زالوا يتلقون العلاج، وفي جانب آخر صرفت الحكومة من ميزانية الدولة مليارات الكرونات على المجهود العسكري وعواقبه، كما أن جنودها الذين عسكروا في محافظة البصرة قتلوا وجرحوا خلال تلك الفترة ما لا يقل عن عشرين عراقياً، ثبت أن كثيرين منهم كانوا أبرياء وعزلاً من السلاح. علاوة على ذلك تسببت تصرفات بعض الجنود الدنماركيين بإلحاق ضرر كبير بسمعة الدنمارك كدولة مسالمة وعادلة وراعية لحقوق الإنسان.

لذلك كله، أصبح فتح تحقيق في هذا الموضوع واستجواب كبار المسؤولين المعنيين به من الحكومة السابقة وفي مقدمتهم رئيس الوزراء السابق والأمين العام لحلف الناتو الحالي أنس فوج راسموسن، ضروريا لكشف الحقائق وتبديد الشكوك أو تأكيدها.

لقد دافعت الحكومة السابقة بضراوة عن قرارها دخول الحرب وأغلقت كل الأبواب أمام أي تحقيق رسمي حوله، لأنها، على ما يبدو، كانت تخشى مثل هكذا تحقيق، خصوصا بعد أن تهاوت الحجج التي ساقتها في حينه لتبرير ذلك القرار. ولعل الحجة الوحيدة المتبقية لديها هي إسقاط النظام العراقي وإقامة بديل ديمقراطي. لكن هذه الحجة لم تكن من الحجج التي ساقها راسموسن في البرلمان يوم اتخذ قرار المشاركة بالحرب. فهل سيقول راسموسن في التحقيق ما لم يقله أمام البرلمان؟

مواضيع ذات صلة