عادة عندما يبدأ اجتماع الهيئة العمومية في مؤسسة ما من الجمعيات والمؤسسات العربية والإسلامية في الدنمارك، فالذي يمكنك ملاحظته جليا ويثير انتباهك، هو قلة المهتمين والمشتغلين بجدول الأعمال. وكذلك عدم  اكتراث السواد الأعظم من الحاضرين بمتابعتهم النقاط التي أدرجت على جدول الأعمال بما يحمله من حوارات مصيرية في ما يتعلق في الإدلاء بكل البيانات والحسابات ومناقشة كل ذلك نقاشاً مستفيضاً " بروح رياضية" من خلال تقارير مجلس الإدارة عن أعماله، خلال السنة أو السنتين المنقضيتين حسب مادة الدستور، ووضع الخطط والبرامج والأنشطة للسنة القادمة والمصادقة على الميزانية والحساب الختامي للفترة المالية الماضية، قبل إبراء ذمة مجلس الإدارة المنتهية ولايته والمصادقة على مشروع الميزانية للعام الجديد.

وما يفاجئ المتابع لهذه الاجتماعات هو جموع من الناس قد حظروا ليصطفوا خلف الجالسين المشاركين الناشطين القلة، مندفعين ومشوشين وهامسين في الأذن غامزين بالأعين لصالح مرشحيهم لمجلس إدارة الجمعية أو المؤسسة.

آنذاك، تتأكد أن الاجتماع قد أشرف على الانتهاء، وكأن مهمة أولئك كانت تنحصر وتقتصر فقط على الحضور لليوم المعهود وساعة الحسم مع الشهود "التصويت فقط" ليدلوا بأصواتهم لصالح مرشحهم المتفق عليه مسبقا، لا يشترط في عرفهم الكفاءة والقدرة: بل الصحبة والعشيرة والقبيلة والقرابة... وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن هؤلاء ما حضروا إلا لمهمة محددة ومركزة، غير آبهين بكل ما ذكرنا، ليبقى العمل المؤسساتي وإدارته لعبة تدار بين نفوذ هؤلاء وأولئك، إلى أن تنضج الجالية العربية في الدنمارك وباقي دول أوروبا. للأسف هذا هو حال العديد من الجمعيات والمؤسسات في بلداننا الأصلية.

"الطرف الثالث" وعفن المؤسسات

ومما يزيد الوضع أسفا، انتقال مثل هذه الآفة وهذا المرض الخطير إلى الجمعيات والمؤسسات العربية بل والإسلامية في الدنمارك وباقي بلدان الإقامة في الغرب، المتّصفة بالشفافية والوضوح المعلومين من الجميع... لذلك فانّ بقاء الجمعية العمومية بهذا المظهر، هو في الحقيقة تكريس للعمل في الظلام وتشريع للاحتكار، تماما كما يجري تحت وصاية أنظمة القمع في بلداننا الدّاعمة للتوريث والاستمرار مع الزعيم الأوحد الذي لا يموت أبدا ولا يخطئ أبدا ولا يُنافسُ أبدا!...

لا بدّ من حركة ديمقراطيّة واضحة تكرّس التداول وتنفي عن المؤسسة الملكيّة أو الإرث القاتلين للمواهب، الحابسين للعمل.

المجدي الفعّال. يجب أن نبتعد عن عقلية "تفريغ" المريد الخانع السلبي التابع المقلد تقيداً أعمى والمطيع بلا اعتراض. يجب أن نخرج من عقدة ضرورة وجود "الشيخ" و "الإمام" و"الأستاذ" و"الدكتور" و"السيد"... هذا الدكتاتور قليل الاعتراف بالآخر! إلا من رحم الله...  لكن للأسف هذا هو واقعنا ولذلك فقد نتج عن هذا المزيج مؤسسات تورث بطرق ملتوية يشوبها الغموض، وبذرائع واهية مفادها: الخوف من تسليمها بطرق ديمقراطية تداولية فتُدَمًرْ، أو على الأقل يتم السيطرة عليها من طرف "آخر" أو إن شأت فقل "طرف ثالث" ... ولكي نحافظ على المؤسسة "المتعفنة" يتم اللجوء إلى سن ودسترة قوانين تشبه التوريث في حال الوفاة. مما يجعل المؤسسون لكثير من هذه الجمعيات في منئى وبعد عن التغيير. لا يشملهم ما يشمل باقي الأعضاء، فلا يخوضون انتخابات شفافة ونزهيه ولا يقدموا برامج واستراتيجيات من أجل تطوير المؤسسة، بل ما يشغلهم هو الحفاظ على "الكرسي" و"المنبر" ولا يخلوا الأمر من مسرحية انتخابية كل عام أو عامين كإجراء بروتوكولي وروتيني. فلقد عايشنا العشرات من هذه المسرحيات على مدار السنوات الماضية.

المشكلة جماعية

هؤلاء "القادة"  يحسنون فقط التربع على عروش الإدارات بلا عناء، لتبقى الوجوه هي الوجوه مع تغيير طفيف لا يسمن ولا يغني من جوع. أما النظام  فيظل هو النظام، و طرق العمل هي كما هي لعقود... ثم في آخر المطاف نندب حظنا و نتحسر على أحوالنا ونعيب زماننا ومجتمعنا الدنماركي والعيب فينا، سواء كنا أفرادا تابعين أو "مسؤولين". أفرادا لأننا رضينا بأن يكون هذا حال المؤسسات التي تدعي تمثيلنا، ومسؤولين لأنهم يعلمون بأن التاريخ لن يرحمهم، وأن ذاكرة الجالية ستسرد القصص عن "تخاذلهم" للأجيال القادمة، وان غدا لناظره قريب اللهم إني بلغت اللهم فاشهد.

مقالات أخرى للكاتب:

فكرة إنشاء المركز الثقافي الإسلامي والغرض منه

المشاركة السياسية في الدنمارك ضرورة حتمية

الانتخابات البرلمانية على الأبواب فهل نحن جاهزون؟

المركز الثقافي الإسلامي في مهب الريح

 

 

مواضيع ذات صلة