هل صحيح أن الفساد السياسي والإداري كان يوما ما، ظاهرة مرتبطة بالتخلف والرجعية والأنظمة الديكتاتورية القمعية فقط...؟ وهل فعلا أن الأنظمة الغربية الديمقراطية مستثناة من دائرته؟ أم هو ظاهرة عالمية؟ لا يستثنى منها أحد خصوصا في عالم المال والأعمال؟

إذا: ما هي الدوافع التي تجعل الفساد ظاهرة عالمية؟
ما يتبادر إلى الأذهان مباشرة عند سماع قصص الفساد في المجتمعات النامية، أن الدافع إليه هو التخلف والجهل والفقر والعوز والفاقة والهشاشة...! هل هذه المكونات هي الجزئيات الوحيدة في هذه المعادلة؟ أم أن هناك تعاظم انحدار في منظومة القيم لدى الناس و حب التطاول على ممتلكات الغير من عام وخاص...؟ أم أن سيطرة ثقافة الجشع والنهب من البعض وعدم اكتفائهم بسلم وظائفهم ضمن ما يخوله لهم الإطار القانوني هي التي تدفع إلى تفاقمها وبالتالي يجعلها ظاهرة ذات بعد عالمي بامتياز تنخر في جسم مجتمعاته ؟

لم يعد من المقبول بتاتا اعتبار معضلة الفساد مجرد قضية محلية صرفة يمكن تداولها في إطار هذا المجتمع أو ذاك، بل وصل بها الحد إلى أن تشغل المجتمع الدولي بأسره وأضحى الفساد مستشري في كثير من دول العالم وإن كان بدرجات متفاوتة بحسب وضع منظومة التشريع في كل بلد و قدرته على تطبيق قوانين الردع الصارمة حتى يستطيع إيقاف زحفه الذي يزداد بشكل مطرد كل عام.

ولكن، هناك فارق كبير ومهول بين الفساد في دولنا الأصلية، والفساد في الأنظمة الديمقراطية الصرفة. لأنه وببساطة في الأنظمة الديمقراطية الغربية يوجد أساليب وآليات مختلفة تراقب سلوكيات المجتمع من أفراد وجماعة على حد سواء، ومن أهمها وأبرزها الإعلام الحر والنزيه غير المُؤثِر عليه من جهة ما، بحيث لا يُفوٍت  فرصة ولا يدخر جهدا في الحديث عن الفساد والمفسدين وكشفهم، وتقديمهم للمحاكمة واسترجاع  ما نهبوه لصندوق الدولة مع إنزال أقصى العقوبات... أما في أنظمة الفرعنة و الفساد المطلق فالأمر لا يخفى على كل  ذي لب.

ومن صور الفساد السياسي في مملكة الدنمارك ما يثير الغرابة فعلاً.

يعد ملف الفساد السياسي في الدنمارك من القضايا التي يزخر بها أرشيفه (الإعلامي)، لكن الدنمارك لا زالت بخير و تحتل مرتبة متقدمة عالميا في محاربة الفساد داخليا، وتعتبره معوقا و معرقلا  كبيرا لصادراتها في الخارج خصوصا دول أوروبا الشرقية التي تعتبر قمة ضاربة فيه.

في سنة 2008 كانت فضيحة وزير الداخلية "لارس غاسموسن" آنذاك، حيث استخدم أموال الدولة لحسابه الخاص في شراء علب السجائر الفخمة وتأجير سيارة تكسي. وقبله في سنة 2002 عمدة مدينة "فاغوم بيتا بريك سطوفت" الذي اختلس ملايين الكرونات واستعملها في شرب الخمر والسفر من أجل المتعة...

وهاهي سلسلة الفضائح تتوالى، حيث تطالعنا وسائل الإعلام عن إنشاء مقصورات خاصة للمدخنين في المرافق الحكومية دون أخد الإذن وإيجاد تمويل خاص لها، بحيث تكلف الدولة مبالغا هي في غنى عن تحملها.

في ديسمبر 2011 واجهت ميتي كييغسكو وزيرة الاستهلاك انتقادات شديدة لأنها اشترت مقصورة للتدخين من أموال دافعي الضرائب من الشعب بقيمة 34 ألف كرون دنماركي. والتي انتهى بها الأمر إلى دفع ذلك المبلغ من جيبها الخاص هروبا من زيادة الضغط من الأحزاب الأخرى.

أما رئيس الوزراء السابق لارس لوكه راسموسن فلا يزال الجدل قائما حول الأموال التي استخدمها في تركيب تلك المقصورة الخاصة للمدخنين في المرافق الحكومية والتي كلفت الدولة  154000 كرونة وهذا يعد هدرا وسوء استخدام للمال العام ...

وقد تعهد الوزير ألا تتحمل الدولة تلك الفاتورة، لكنه بقي متبوعا بالسؤال الذي لم يجب عنه: من سيدفع تلك الفاتورة إذن...

واليوم يكشف الغطاء عن فضيحة من نوع آخر، فضيحة تزوير لا تقل أهمية عن سابقتيها.

تعد فضيحة المعلق السياسي الشهير والمعروف لأخبار 2TV "مايكل كريستيانسن" الذي خدع الدولة بتزوير سيرته الذاتية، في عام 2001 عندما تم تعيينه مستشارا خاصا لرئيس الوزراء "اندرس فوج راسموسن"، بأنه حائز على درجة الماجستير، وصمة عار على جبين الطبقة السياسية في العالم الديمقراطي الحر.

ويأتي هذا التصعيد بعد أن كشفت صحيفة (بي تي) عن السيرة الذاتية "لمايكل كريستيانسن" حيث كتب أنه حاصل على درجة دكتوراه في *الدراسات السينمائية* من "جامعة كوبنهاجن في رسالة بالبريد الالكتروني."مايكل كريستيانسن" غير موجز ولا حاصل كما ادعى من جامعة كوبنهاجن على "درجة الماجستير”. يقول لكنه نجح في مادة فردية من مواد الدراسة لا غير.

إنه من  غير القانوني إن لم تكن لديك شهادة ادعاء ملكيتها، ووفقا للجامعة يعتبر استخدام درجة "الماجستير" المزعومة خرقا لقانون الجامعة.

العنوان نفسه يبدو من صور عدة له. ففي عام 1997 وعندما نشر"مايكل كريستيانسن" كتابا عن " نيلس هيلفيج بيترسن" السياسي الشهير، كذلك كتب على الغلاف أنه موجز. لكنه ليس كذلك. انتهى كلامه

مايكل كريستيانسن يعترف بأنه غير حاصل على شهادة جامعية. ويقول بعد عشر سنوات من الخداع:
- صحيح تماما أنني ليس لدي درجة الماجستير عندما كتبت ذلك في طلبي، وقد كان ذلك خطأ مني، وأود هنا أن أعتذر عن التأخير لمدة عشر سنوات.

 

كتبه:

محمد هرار


مواضيع ذات صلة