ولد الشيخ الداعية المربي رحمه الله وأدخله الجنة مع الأبرار في يافا 1946م من أم سورية، ووالد فلسطيني مجاهد، ناضل ضد الاحتلال الانجليزي ثم ضد الاحتلال الإسرائيلي حتى توفاه الله.

هاجرت به أسرته منذ نعومة أظفاره إلى القاهرة 1948م، وأقامت الأسرة الكبيرة المؤلفة من 15 من الأبناء في حي منشية البكري بها، وكان الشيخ أحمد أبو لبن هو الابن السابع ترتيبا في أسرته الكريمة، فتلقى دراسته بالقاهرة حيث تخرج في كلية الهندسة الميكانيكية من جامعة عين شمس

نشأ الشيخ رحمه الله في بيت مشمس بأشعة العلوم والمعارف، حيث لا يخلو من زيارة العلماء والدعاة وأهل الفضل، فكان بيته المشكاة الأولى التي اقتبس منها أنوار علمه، وطاقة عمله.

فسافر رحمه الله إلى الكويت سنة 1970م للعمل في إحدى شركات الأسمدة الكيماوية التابعة لوزارة الكهرباء، وتزوج هناك سنة 1975م، وهناك تتلمذ على يد الشيخ الداعية العالم العامل حسن أيوب رحمه الله، واغترف من بحر علمه لمدة 8 أعوام، والتقط من درره ما شاء الله له أن يلتقط، وذلك طوال إقامته في دولة الكويت إلى سنة 1978م، ومن هناك كانت انطلاقة مسيرته في الدعوة إلى الله تعالى، وانهمامه بأمر المسلمين وقضاياهم، كبيرها وصغيرها.

وانتقل إلى "أبو ظبي" للعمل في إحدى شركات البترول، في فترة ما بين 1978م و1982م، حيث تطوع في الدعوة إلى الله وخطب الجمعة متطوعا محتسبا. ثم رجع إلى مصر ثم هاجر إلى نيجيريا التي ما ترك مدينة أو قرية فيها إلا زارها ونظر في مصالحها والتقى فيها بفقهائها وعلمائها، كما نشط بها في مجال مواجهة حركة التنصير حتى أذن الله للدانمرك سنة 1984م أن تتشرف بقدومه داعيةً إلى الله تعالى.

في الدانمرك

 جاء الشيخ الحبيب إلى الدانمرك سنة 1984م وقلبه منشغل بحال الإسلام وأحوال المسلمين في هذا البلد، ولم يهتم بشيء قط اهتمامَه بوحدة المسلمين فيه وفي غيره، وبلغت قراءاته في كل المجالات مَبْلَغًا أَهَّـلَهُ رحمه الله لكي يكون مرجعا في الشرع والسياسة والفكر والتاريخ والثقافة العامة، ثم إن كثرة أسفاره ورحلاته جعلته أرصدَ لواقع الناس وأعرف بحاجاتهم وأعلم بأحوالهم وأفهم بثقافاتهم من كثير من غيره من العلماء ممن يجلس وراء مكتبه ويفتى الناس في أقاصي الدنيا. الشيء الذي ساعد الشيخَ على هندسة العمل الدعوي، وعلى استخطاط المنهج التربوي والسياسي للجاليات المسلمة في اسكندنافيا.

وكان يصلي في بداية أمره حيث يصلي المسلمون جماعاتهم وجمعهم، إلى أن أذن الله أن يكون خطيبا بمسجد التوبة في صيف سنة 1988م.

وهنا بدأ إشعاعه يطل، ليصبح المرجع والمرشد الروحي لكل مراكز المسلمين الإسلامية، فلم يترك مسجدا ولا جمعية إلا زارها وشارك أصحابها أفراحهم وأحزانهم فيها، وأسهم بحظ وافر في إرشادهم ومساعدتهم على تطوير أدائهم التربوي والدعوي؛ كما أنه زار كل مخيمات اللاجئين بالبلد، ورعى مصالحهم وأصلح ذوات بينهم وساعد ضعيفهم وأطعم جائعهم وأرشد ضالَّـهم فقلّما تجد عائلة ليس له الفضل بعد الله في حل مشاكلها التربوية والاجتماعية سواء في ذلك الحين أو بعده.

لقد تعلمنا وسمعنا عن الشيوخ والعلماء الذين يأتيهم الناس من كل حدب وصوب، ولكن قليلا ما سمعنا عن داعية يطرق كل الأبواب ويسأل عن أحوال أصحابها، فلله دره، هذا شأنه في الدانمرك والسويد والنرويج، وبريطانيا وألمانيا... بل لقد وصلت أقدامه أستراليا ونيوزيلاندا، وأتته رسائل واتصالات المحبين من كل البلدان حتى من أقصاها كاليابان مثلاوفي سنة 1990م نشأت فكرة الوقف الاسكندنافي، حيث تقدمت كل جالية بممثل عنها، ليتعاونوا جميعا على إنشاء مؤسسة تليق وترقى إلى تطلعات المسلمين في اسكندنافيا، ورأى هذا المشروع النور على يديه سنة 1996م. وتأسس مبنى الوقف بمنطقة الشمال الغربي من كوبنهاجن.

وهنا أشرقت جهوده، وتحقق نزر يسير من أحلامه، وهو إنجاز بعض المشاريع التي تعود على الجالية المسلمة بالنفع في الدنيا والآخرة:

 ففي سنة 1997م أسّس الوقف الإسلامي تحت إمرة الشيخ رحمه الله شركة الروابي للدجاج الحلال في هذا البلد.

وفي سنة 1999 أسس مجموعة البحوث للتربية والتعليم في الدانمرك، حيث حاول الدفع بعجلة التربية والتعليم نحو مزيد من التأصيل والتهديف.

وفي نفس السنة أسس الشيخ رحمه الله مع تلميذه الشيخ مصطفى الشنضيض مجموعة "الشباب المسلم في الدانمرك – MUNIDA ) والذين يصل عددهم اليوم إلى نحو من 500 شابا وشابة في كوبنهاجن فقط، ومنهم الأطباء والمهندسون وخريجو الجامعات في مختلف القطاعات، والذين قد بلغ عدد منهم درجة الخطابة، والمحاضرة في الجامعات، والترشيد الدعوي في مختلف المجالات وبلغات مختلفة، بل ترجموا بعض الكتب إلى اللغة الدانمركية، ولهم أنشطة كثيرة مختلفة. ويسهر على تأطيرهم الآن والسهر على تطويره مجموعة من الشباب المتعلم والمثقف كالدكتور كمران شاه والمهندس كمران إقبال، والمهندس عبد الله أبو لبن، ابن الشيخ، والمهندس وسيم رانا والأستاذ عبد الكريم الخمال والأستاذ بن يونس الصبار وآخرون..

وفي سنة 2005م وبعد عراك سياسي وقانوني دام سبع سنوات تمكن المسلمون في الدانمرك على يديه من إنشاء مقبرة إسلامية مستقلة خاصة بهم.

وفي سنة 2008م، أي بعد سنة من وفاته تحقق جزء آخر من أحلامه، وهو تمكن الوقف الاسكندنافي، وبالتعاون مع بعض المستثمرين الدانمركيين من إنشاء شركة "أمانة" لشراء العقار على الطريقة الإسلامية. وما أن بدأت على استحياء، حتى شاء الله تعالى أن تطلّ الأزمة الاقتصادية الحالية فحالت دون إتمام هذه الشركة أعمالها.

وفي سنة 2008م تمكنت الجالية المسلمة من محبيه في السويد من إنشاء وقف آخر في مدينة مالمو بجنوب السويد، على نفس طراز وقف كوبنهاجن وعلى نفس منهجه وطريقته.

 وأما في المجال السياسي فقد كان الشيخ أحمد أبو لبن فارس الميدان، وباري القوس، وأسد الساحة، فلم يكن له منازع لا من قريب ولا من بعيد، فكان يُضرب لكلماته ألف حساب، ويبيت الناس حيارى من أجل فك رموز تصريحاته. ولا أدَلَّ على ذلك من وقفته في أزمة الرسومات على رأس كل الدعاة وهو يقود سفينة التحدي والكرامة والعزة والنصرة لدين الإسلام والدفاع عن عرض نبينا صلى الله عليه وسلم، بكل حكمة وتروٍّ وفهم عميق وبصيرة دعوية لا تضاهى. وما أروعه وهو يلقي اللكمات البرهانية والحججية للمسؤول الثقافي في صحيفة يولانس بوستن، فليمينج غوسة الذي كان وراء إخراج الرسومات المسيئة وذلك في برنامج الهارد توك بقناة ال "بي بي سي" أمام ملايين المشاهدين.

فلاحَ نجم الشيخ رحمه الله حتى بات الوقف في عهده مزارا للقنوات والصحف العالمية، والدعاة من كل مكان. ولن أنسى أبدا كلمته الخالدة بعد حادثة 11 سبتمبر حين ضغط عليه الإعلام وطالب منه أن يوقد الشموع على أرواح ضحايا الحادث، وأن يحزن إلى جانب الإنكار، فقال بالإنجليزية في وسائل الإعلام: "لم يبق لدي دموع تذرف، فكلها جفت من البكاء على يتامى فلسطين وأراملها". وهو يشير إلى أنه لم تذرف دمعة واحدة على الآلاف الذين يقتلون جراء الاحتلال الإسرائيلي..فكيف تطلبون منا أن نبكي ونقيم المآتم على ضحاياكم. مع كوننا متفقين حول رفض سفك الدماء بغير حق سواء من المسلمين أو من غيرهم.

وكان منبر الشيخ يعرف الصدارة في الحديث عن القضايا الكبرى، وأحوال المسلمين الهامة كقضية فلسطين والعراق وعموم حال وواقع المسلمين السياسي والعلمي والاجتماعي..وكان مزارا للصحافة، بمختلف مشاربهم، من الدانمرك وخارجها، فكان رحمه الله متميزا في خطبه وفريدا في طرحه

وما زلت على ذُكْرٍ من سلسلة خطبه في بداية التسعينيات، كان عنوانها: "مؤلف، وكتاب، وقضية" حيث كان يتناول في كل جمعة ملخصا عن كتاب رآه نافعا للناس، مرة تناول كتاب "الظاهرة القرآنية" لمالك بن نبي، ومرة كتاب "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين" لأبي الحسن الندوي، ومرة "موقف الحق والعلم والعالم من رب العالمين" لمصطفى صبري، ومرة "الإسلام كبديل" لمراد هوفمان..ونحوها.. فكان يُعيش المصلين في أجواء علمية فكرية راقية، احترم فيها عقولهم، وارتقى بأذواقهم، ووسَّع مداركهم...  

وأما الشيخ الإنسان، فقد كان الأب الحنون، والمربي الساهر، الذي يتفقد أحوال من حوله، ويهتم براحتهم، بل يخدم تلامذته على مائدة الطعام، فلا يجلس حتى يجلسوا جميعهم ثم يقوم بصب الحساء لهم ووضع الطعام في أطباقهم، ولا أعقل مذ عرفته أنه ترك أحدا يسكب له مشروبا أو يضع له طعاما في طبقه.وما اتصل به أحد في أي ساعة من ليل أو نهار إلا خرج في خدمته ومساعدته، ولم يأت طفل قط إلى مكتبه إلى ووجد قطعة الحلوى تنتظره مع القبلة والعناق...

وأما تواضعه فقد كان يضرب به المثل، فكنت ذات مرة بباحة الوقف الاسكندافي حتى وقف صحافي من جريدة لا أذكرها يسأل عن الشيخ، فقلت هو ذلك الرجل..فكرر وقال أنا أريد الشيخ "أحمد أبو لبن"..قلت له: نعم هو ذاك الرجل الجالس على الأرض الذي يلبس لباس العمال المتسخة، ويسقى النبات، ويزيل عنه الشوائب..فقام الشيخ من على الأرض وسلم عليه واصطحبه إلى مكتبه العتيق..

نعم كان مكتبه عتيقا قديما، نكاد لا نرى فيه الشيخ قاعدا من كثرة ما على المكتب من أوراق وجبال من الصحف والقصاصات التي كان يأتيه بها الناس من كل مكان لكي ينظر فيها...فيبقى في غرفته إلى الساعة الواحدة وربما الثانية ليلا، وكثيرا ما كان - عند تراكم العمل الدعوي – يبقى بالوقف بالأيام لا يذهب فيها إلى بيته. فهو بين كونه كاتبا لبيان، أو مراوغا لصحافي، أو محاورا لـملحد، أو عارضا للإسلام على المجموعات الدانمركية التي كانت تأتي بالأعداد، أو مُعِدًّا لمشروع تربوي أو دعوي أو سياسي يريد أن يشغل بإنجازه محبيه وتلامذته لأشهُر، أو في حلقة شرعية يدرس فيها الحديث أو أصول الفقه أو يدرس فيها موادا أخرى كالإدارة أو الإعلام أو السياسة...كان أمة ..نعم كان أمة. كان يحمل من الأعباء الدعوية ما ينوء به العصابة من الرجال...

وكان صبورا رحمه الله على غباء كثير من العامة...أو كثير من المزايدين عليه في فقه أو سياسة الدعوة ممن كثر كلامه وقل عمله..وما أكثرهم..أو ممن يعمل على غير هدى.. وما كانت شدته حين يشتد على الناس في كثير من الأوقات إلا لمحبته لهم، وإرادته الخير لهم، وأن يكونوا في أحسن حال، وأن يُقبلوا على الآخرة والعمل الصالح والدعوة إلى الله. وأن يخففوا من الإقبال على جمع الأموال في أوربا...

وجاء شهر فبراير من سنة 2007م، في لحظة شاء الله فيها أن يترجل الشيخ عن فرسه، ويتوقف عن رحلته، عن عمُر لا يتجاوز الواحد والستين، عن خمسة بنات وابْنَين، وزوجة رائدة في مجال الدعوة. بعد مرض خبيث مفاجئ في الرئتين، أنهى حياته، فخرجت نفسه الطيبة وهو ينطق بالشهادتين، بعد أن أَنهى وزوجته تلاوةَ سورة يس...  

توفي وكل الدانمرك مدينةٌ له، على ما أعطاها من وقت، حيث لم يعرف فيه فترة استراحة، عملا وتضحية وإصرارا على التحدي وعلى إسعاد الناس حوله، ودفاعا عن ثوابتنا الإسلامية والثقافية وتاريخنا الحضاري.

نسأل الله تعالى أن يحشره مع الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم، وأن يدخله الجنة مع الأبرار، وأن يلحقنا به مسلمين، هداة مهديين، لا ضالين ولا مضلين...آمين

المصدر: موقع المجلس الإسلامي المغربي في إسكندنافيا

مواضيع ذات صلة