شرفني الله سبحانه وتعالى بجيرته المباركة فعرفت فيه رجلاً مباركاً، وقوراً، هادئاً، وفياً، محباً لأهله، وأولاده، وأصهاره، وأحفاده، وجيرانه، وفوق كل ذلك حنينه لأرضه ووطنه فلسطين السليبة التي لطالما حدثني في سهراته الممتعة عن جبالها وسهولها، بياراتها وحقولها، مدنها وقراها، وكانت له محاولات شعرية يصف فيها شوقه وحنينه وتعلقه بأرضه وأرض أجداده الأرض المقدسة المباركة والمسجد الأقصى المبارك، وأذكر فيما أذكر جلسة جمعتني به وبوالدي ـ رحمهما الله تعالى ـ وكان موضوعها الأقصى وفلسطين المباركة التي زارها والدي قبيل نكبة عام 1967 وكان حديثاً شيقاً جميلاً ولكنه ذا شجون تناول تلك الفترة من تاريخ أمتنا العصيب وتحدثا فيه بإسهاب كيف كان الحاج القاصد بيت الله سبحانه وتعالى من بلاد الشام أو من تركيا يعرج على الأقصى المبارك يغترف من بركته قبل أن يواصل رحلته المباركة لبيت الله الحرام ومسجد نبينا الحبيب عليه الصلاة والسلام.

إنه العم الطيب ذو القلب الرحيم، والنفس الشفوقة، واليد المعطاءة، الرجل الكبير الحكيم الحاج يحيى عاصي "أبو خالد" الحبيب الذي ولد بتاريخ 18.11.1935 في أرض فلسطين الحبيبة ثم هاجر منها إلى لبنان ثم إلى الدانمرك حيث استقر به المقام ووافته المنية بعد صراع مع المرض استمر لأسابيع طوال ليفد على الله سبحانه وتعالى مساء الاثنين الثاني من أبريل من عام 2012 وشيع جثمانه الطاهر الآلاف من أهله وإخوانه ومحبيه إلى مثواه الأخير في مقبرة المسلمين في ضاحية من ضواحي العاصمة الدانمركية كوبنهاجن.

وكما شرفني الله سبحانه وتعالى بجيرته المباركة، فقد شرفني أيضا بمرافقته في أجمل رحلة من رحلات العمر إلى البقاع المقدسة الطاهرة، وذلك في حج عام 1998 وكانت أعداد الحجاج من الدانمرك في ذلك العام كبيرة، الأمر الذي استدعى تنظيم رحلة جوية مباشرة من كوبنهاجن إلى المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة وأتم التسليم، حيث وصلناها في ساعة متأخرة من الليل وعندما وصلنا الفندق استأذنت الحاج محمود عوض مدير الرحلة ومنظمها آنذاك أن أكون مع عمي الحاج أبو خالد لأتشرف بخدمته ورفقته وكانت لنا غرفة مشتركة في " فندق الدخيل " بجانب الحرم النبوي الشريف وأذكر حينها أن العم أبو خالد ـ رحمه الله تعالى ـ  كان متعبا مرهقا من طول الرحلة فبعد أن صلينا المغرب والعشاء جمع تأخير استأذن للنوم واستلقى على سريره بينما ذهبت ومجموعة من الأخوة ومنهم الأخ الكريم أبو غزوان لإحضار بعض الطعام فوجدنا مطعما قريبا من الحرم ويعمل فيه أخ سوداني يدعى "مبارك" وعندما طلب منا ثمن الطعام لم يكن بحوزتنا أي أموال سعودية فسألناه إن كان يقبل أن يأخذ الثمن بالدولار فقال : لا عليكم تأتوني بالثمن حينما يتوفر لديكم أموال سعودية فذهبنا إلى الفندق لنأكل بهدوء محاولين ألا نزعج العم أبو خالد حيث كان قد استغرق في النوم إلا أن ضجيجنا أيقظه فاستيقظ باسما بالرغم من تعبه وإرهاقه وقال لنا بكل أريحية وروح مرحة ودعابة جوعتموني بحديثكم الشيق وقام من سريره وتناول معنا طعام العشاء وقصصنا له قصة السوداني المبارك فقال لنا إنه يدرك أن من أتى لحج بيت الله الحرام وزيارة نبيه عليه الصلاة والسلام لا يمكن أن يضيع أجره بعدم الوفاء بدفع ثمن طعام قليل، ومن الغريب أننا لما سألنا الأخ السوداني مبارك في اليوم التالي عندما ذهبنا لأداء ثمن الطعام عن سبب ثقته بنا أنه أخبرنا بالضبط بما ذّكره لنا العم أبو خالد رحمه الله تعالى.

كان ـ رحمه الله ـ أثناء فترة الحج حريصا أن يقضي كل أوقاته إما في الحرم النبوي أو في الحرم المكي ويوصي كل من حوله أن يغتنموا كل الأوقات في الطاعة والعبادة، كما يوصيهم بالصبر وعدم ضياع الوقت أو الحديث في غير فائدة.

وأذكر أننا وفي أحد أيام تواجدنا في المدينة المنورة وبعيد خروجنا من صلاة العصر برفقة العم الحبيب أبو خالد رحمه الله تعالى التقيت على باب فندق الدخيل بأخي "أبو حمزة" وابن عمي "أبو خالد" اللذان قدما من مدينة حمص لأداء فريضة الحج ولم أكن قد رأيتهما لأكثر من ثمانية عشر عاما وكان لقاء أخويا حارا مفعما بالعناق والتقبيل والدموع التفت بعدها إلى العم الحبيب أبو خالد فرأيته وقد أخضلت لحيته المباركة بالدموع وخاطبنا بلهجته الفلسطينية المحببة : " الله يخليكو لبعض ولايحرمكو من بعض ياعمي والله بكيتوني وإنتو بتعبطوا ببعضكو وبتبكوا" وهذا دليل شفقته ورقة قلبه ورحمته رحمه الله تعالى، وكانت فرصة ليتعرف على أخي وابن عمي .

وقبيل أيام التروية وعرفات أصيب العم أبو خالد ـ رحمه الله تعالى ـ   بنزلة صدرية حادة ونصح بعدم الخروج إلا أنه تحامل على نفسه وأصر على إتمام حجه بالرغم من شدة مرضه وكان له ذلك بالرغم من أنه ظل يعاني من المرض بعد عودته من الحج لفترة طويلة إلى أن كتب الله له الشفاء والعافية.   

رحل العم الحبيب أبو خالد، وقدم على رب كريم غفور رحيم ، وجعبته مليئة بالأعمال الصالحة، وبقي ذكره الحسن وسيرته العطرة كما بقي أبناؤه الصالحون الطيبون المباركون خالد ومحمد وخليل وسليم ويوسف وبناته الكريمات وأصهاره الأطياب، وأحفاده المباركون يدعون له بالخير والرحمة والمغفرة، وفوق كل هؤلاء زوجته التقية النقية المباركة الطيبة الطاهرة الحاجة "أم خالد" حفظها الله تعالى ورعاها وأطال عمرها هذه الأم العطوف الحنون والسيدة المبجلة الوقورة التي يحبها الكبار والصغار ويحترمها ويجلها كل من تشرف بمعرفتها واللقاء بها.

اللهم اجعل مقامه في جنات ونهر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، اللهم اغفر له وارحمه ، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله، اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه وإن كان غير ذلك فتجاوز عنه، ولقه الأمن والبشرى، والسعادة والزلفى، اللهم إنه وفد عليك فاجعل قراه منك الجنة، اللهم لا تفتنا بعده، ولا تحرمنا أجره، واغفر لنا وله يا ارحم الراحمين، وألهم زوجته، وأولاده، وبناته، وأصهاره، وأحفاده، وإخوانه، وجميع أهله، ومحبيه الصبر وحسن العزاء . إنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ." يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي " صدق الله العظيم.

مواضيع ذات صلة