تعتبر الثورات العربية أو لنقل ما اصطلح عيه مؤخرا، بالربيع العربي، نصرا عزيزا وفتحا مبينا على كل المستويات. فهي من جانب تعد حجر أساس لبزوغ عهد جديد شعاره: نبد الظلم والاستبداد وإحقاق العدالة المغيّبة طيلة عقود. كما يمكن اعتبارها إلى جانب ذلك، أسلوبا حضاريا سلميا لتحرير الأوطان من الأنظمة القمعية الفاسدة، وبراءة اختراع وجب تسجيلها بكل فخر واعتزاز باسم الشباب العربي. وصدق الله إذ يقول في محكم التنزيل:(وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) [الإسراء 81] وقوله تعالى (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ) [الأنبياء 18]. إنّ الذي يعنينا كثيرا في هذه المراحل والأشواط المتقدمة التي قطعت بفضل الله ثم بصحوة الشعوب العربية المناضلة، هو أن ينال كل ظالم عقابه، وأن يكشف الستار عن كل القضايا الإجرامية، وغير الإنسانيه التي مورست في عهد كل حاكم ومسؤول ظالم؛ من خطف وقتل أو تعذيب وتغييب في غياهب السجون خلف القضبان بغير وجه حق (إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ)، والتي بقيت إلى حدّ الآن تفاصيلها مجهولة ودقائقها مستورة وحقيقتها مغموطة... فلا بدّ أن تُعرف الحقيقة بتفاصيلها كي يلمس النّاس ما طال الأبرياء وأسرهم من معاناة تنوء من حملها الجبال.

ومن ضمن الأسر التي تجرعت مرارة الانتظار لمعرفة ما جرى لأبيهم: أسرة وعائلة الشيخ المهندس"طلعت فؤاد قاسم"، الذي عرف واشتهر بأبي طلال القاسمي المصري الجنسية، الذي اختطف من دولة كرواتيا سنة 1995 بتواطؤ كل من المخابرات الكرواتية، والأمريكية والمصرية، ولربما كذلك المخابرات الدانمركية.  يعتبر المهندس طلعت فؤاد قاسم أحد قيادات الجماعة الإسلامية في مصر، وهو من مواليد 1957 وكان قد صدر في حقه حكم الإعدام غيابيا من قبل المحاكم العسكرية الظالمة في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك حيث كانت تهمته الوحيدة: المشاركة في الجهاد نصرة لإخوانه إبّان اجتياح الجيش الأحمر الروسي لأفغانستان.

لقد وصل المهندس أبو طلال القاسمي إلى الدنمارك في أواخر1992، بعد فراره من {سجون مصر إبان حبسه فيها ظلما وعدوانا}، وحصل في الدانمارك على حق اللجوء السياسي بكل يسر وسهولة، وكانت الحكومة الدانماركية بعد دراسة لملفه الخاص، تعلم يقينا وتدرك تماما أنّ تسليمه للحكومة المصرية، يعني تصفيته جسديا بعد تعذيبه، وهذا مخالف للقوانين الدولية.

عاش الشيخ طلعت فؤاد قاسم بعد تمتّعه بحق اللجوء السياسي حياة جد طبيعية، ولم يسجل عليه بتاتا مخالفته لقوانين الدانمارك، ولا حتى داخل الدول الأوروبية التي كان يتجول فيها داعيا إلى الله قبل اختطافه وتسليمه لبلده الأصلي مصر سنة 1995.

لقد تمت عملية اختطاف المهندس الشيخ أبو طلال في العاصمة الكرواتية زغرب، بعد أن دخلها وللأسف الشديد بتأشيرة رسمية، حصل عليها من سفارة دولة كرواتيا في بروكسل ببلجيكا، اعتمادا واستنادا إلى وثيقة إقامته الدنماركية!!، حيث جرى اعتقاله بمجرد وصوله بعد أن وطأت قدماه أرض كرواتيا، أي في نفس الليلة التي وصل فيها، وبعلم تام وأكيد من المخابرات العسكرية الكرواتية، التي نسقت لتسليمه بدورها مع المخابرات الأمريكية، ليتم من بعد ذلك تسليمه للحكومة المصرية، مما يوحي بجلاء أنّ الأمر قد دبّر بلَيْلٍ ونُسّق فيه بين الدول المذكورة. خصوصا وأن الحكومة المصرية في عهد المستشار "اسامة الباز" كانت قد طالبت الدانمارك مرارا بتسليمه لها، لكن حكومة الدنمارك كانت تدرك عواقب ذلك لو فعلت... ومن يومها لم يُعرف ولم يسمع عن الشيخ أي خبر… كان هدف المهندس أبو طلال من وراء زيارته لدولة كرواتيا هو الوصول إلى أرض البوسنة المشتعلة، للوقوف على حجم المأساة وما يجري للمسلمين فيها أثناء حرب الإبادة والتطهير العرقي على يد القوات الصربية ما بين سنتي 1992 و1995 في منطقة البلقان، وأن ينقل الحقيقة كما عايشها أهل البوسنة والهرسك، ليؤلف كتابا عن تلك المأساة، شعورا منه بواجب النصرة بالقلم، ما دفعه للسفر قصد المعاينة والرصد الشخصي، ليكون شاهد عيان. أما النصرة بالكلمة، فكان محلها مسجد التوبة بحي Vesterbro بمدينة كوبنهاجن، من خلال الدروس والمحاضرات والخطب التي كان يلقيها، والتي كان يحرص على حضورها جمهور غفير من أبناء الجالية المسلمة، كما كان له برنامج تلفزيوني يبث مرة في الأسبوع.

لقد كان من المنتظر أن ينجز الشيخ مهمة الكتابة في خلال أيام معدودة ثم يعود من سفره إلى الدانمرك، لأنّ زوجته كانت على وشك الوضع. ولكن شاءت الأقدار أن لا يعود الشيخ إلى الدنمارك لرؤية مولوده الجديد، والذي أكمل الآن السابعة عشرة من عمره، دون أن يكتب له هو كذلك أن يرى وجه أبيه. وبعد البحث والتحري المستمر من طرف أسرته عن مصيره المجهول، سواء هنا في الدانمارك عبر وزارة الخارجية، أو عن طريق منظمات حقوق الإنسان، وكذلك عبر السلك الدبلوماسي المصري، لكن دون جدوى. مما دعا العديد من المساجد والفعاليات الإسلامية الى تنظيم وقفة ومظاهرة كبيرة حاشدة وعارمة قدرت بعشرات الآلاف من أبناء الجالية أمام سفارة دولة كرواتيا في كوبنهاجن، حيث سلمها المتظاهرون رسالة شديدة اللهجة وحملوا دولة كرواتيا مسؤولية خطفه أواختفائه داخل ترابها، لكن الحكومة الكرواتية أصرت على الإنكار مدعية في أكذوبتها الفاضحة للإعلام الرسمي، أنه جرى اعتقاله في أحد مناطق العاصمة زغرب بلا وثائق تثبت هويته، وأن المحكمة أصدرت حكمها بإبعاده، وأنه غادر كرواتيا لجهة غير معلومة. وبعد بضع سنوات خلت من خطفه وإصرار الحكومة الكرواتية على الإنكار والكذب، شاء قدر الله أن تتوتّر العلاقة بين أمريكا وبعض قادة المخابرات في كرواتيا وحصل بينهما تراشق وخلاف وتبادل التهم، مما دفع منسق المخابرات الكرواتية "ميروسلاف توجمان"، وهو ابن الرئيس الكرواتي الهالك "فرانيو توجمان" إلى الاعتراف علنا للإعلام بعملية اختطاف الشيخ طلعت فؤاد قاسم المصري الجنسية، الحامل لوثيقة إقامة دانماركية بإيعاز من المخابرات الأمريكية وبعلم تام وأكيد من المخابرات الدنماركية، ليتم تسليمه إلى السلطات المصرية. رغم أنهم كانوا يدركون جيدا أنّ تسليمه للسلطات المصرية يعني تعذيبه وقتله من دون شك!!. أما الحكومة المصرية، فقد نهجت هي الأخرى أسلوب الإنكار والتضليل والمماطلة والتجاهل التام كعادتها في التعامل مع المعارضين، ومارست تعتيما أسودا على أعلى المستويات بخصوص قضيته، وتجاهلت كل الصيحات من طرف أسرة المهندس طلعت فؤاد قاسم من الدنمارك وجميع محبيه في الداخل والخارج.

لقد حان الوقت لتحرير مصر وجميع الوطن العربي بل والعالم أجمع بما فيهم الدانمارك من النظام البوليسي البائد، ونحن كلنا أمل ألّا يفلت من العقاب كل من طالت أو مست يده الآثمة بظلم المهندس الشيخ طلعت فؤاد قاسم، الذي يعتقد أنّه قد نفذ فيه حكم الإعدام الصادر ضده في قضية "العائدون من أفغانستان" حسب ما جاء في تقرير مركز القدس للدراسات السياسية بتاريخ الفاتح من مايو 2005. رحمه الله، وتقبله من الشهداء وألحدقه بالنبيين والصالحين، آمين.

ومن هنا فقد وجب علينا جميعا أن نشد على يد كل من يبادر بالدفاع عن الحق والعدالة، واحترام سيادة حكم القانون العادل في كل مكان، وقد بات واضحا أنّ الشعوب – وقد تحرّرت - لن تقف مكتوفة الأيدي بعد اليوم، ولن تسكت على مثل هذه الخروقات، والانتهاكات التي تمارسها الأنظمة القمعية، سواء في بلداننا الأصلية، أو في البلدان التي تزعم الدفاع عن منظومة حقوق الإنسان!، دون أن تنتبه إلى انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان ترتكبها باعتماد ذرائع واهية غير إنسانيّة!..

على الحكومة الرشيدة القادمة في مصر، أن تقوم بكشف الغطاء وإزالة الغموض الذي اكتنف حالة اختطاف المهندس الشيخ طلعت فؤاد قاسم أبو طلال القاسمي، وأمثاله من المظلومين في أرجاء الوطن العربي، وأن تطالب كلا من الحكومات: الكرواتية والأمريكية والدانماركية، بإظهار حجم تواطئِهم وتحميلهم المسؤولية الكاملة عن جرائمهم بإعلان الحقيقة، والاعتذار لأهالي الضحايا مع دفع التعويضات الكاملة واللازمة لأسرهم، والتعهد على عدم تكرار هذه السلوكيات العدوانية الظالمة التي تتعارض مع المواثيق الدولية لحماية حقوق الأفراد والجماعات، والعمل على بناء الثقة ومد جسور التواصل مع الشعوب العربية وتغيير أسلوب وفكرة الصدام والحرب الاستباقية، التي ابتكرتها أمريكا فكانت النتيجة أن جرَّت الويلات على العالم. على المتورّطين فعل ذلك وأكثر، حتّى لا تظلّ قضايا هؤلاء الضحايا والأبرياء والمظلومين وغيرهم، مهدّدة لعامل الثقة الذي خرّب العلاقات وانعدمت الحياة وما عاد في الدنيا من يُلجأ إليه هروبا من الظلم والظالمين!...

مواضيع ذات صلة