تابعت النقاش الخجول احيانا والمتشنج احيانا اخرى والذي دار مؤخرا على موقع اخبار الدانمارك حول تصريحات الناشطة أسماء عبد الحميد بعد لقائها بالرسام كورت فستاغورد، وتساءلت عما اذا كانت مسألة الرسوم بحاجة الى إعادة فتح ونقاش جديد.


لكنني اكتشفت على الفور ان هذه المسألة لم تأخذ حقها من النقاش المعمق في أوساط العرب والمسلمين في الدانمارك، وانها ضلت مفتوحة طيلة هذه السنوات ولم تغلق ابداً في الواقع . فبينما تناولها الدانماركيون بعمق واصدروا عنها الكتب والبحوث وعقدوا حولها الندوات والمحاضرات، واعتبروها احدى انتصارات قيمهم ومبادئهم، إكتفى العرب والمسلمون بالخطب والاحتجاج والاستنكار والشكوى الاعلامية والقضائية.
لماذا يا ترى؟ أقصد لماذا لم يناقش مسلمو الدانمارك مسألة الرسوم بالعمق الذي تستحقه، خصوصا بعد ان هدأت مشاعر الغضب الجماعي وانسحب المحتجون من الشوارع؟ هل كانوا قاصرين عن ذلك أم ممنوعين عنه؟
اعتقد ان السبب الرئيسي لهذا «الاهمال» هو الحكم الشعبي والديني الذي صدر في هذه المسألة في حينه وكلف عشرات الارواح من المحتجين على طول العالم الاسلامي وعرضه، وأغلق الباب بعد ذلك امام اي نقاش.
فحوى هذا الحكم كما افهمه هو ان هذه الرسوم تتضمن اساءة متعمدة وشنيعة للرسول الكريم وللمسلمين في كل انحاء العالم. وكل من يمت بصلة لها مدان ويستحق العقاب. وأولهم طبعا الرسامون الذين رسموا الرسوم، والجريدة التي نشرتها وبعد ذلك كل من يؤيدها ويبررها و «يتفهمها» .
والمشكلة الحقيقية في هذا الحكم كما هو واضح هي انه اغلق باب النقاش وتحول الى تابو لا احد يقترب منه. فمن ذا الذي يجرؤ على مخالفته أو حتى تقليبه ذات اليمين وذات الشمال؟ ولعل اقرب مثال على ذلك ما حدث للناشطة اسماء عبد الحميد التي زارت صاحب الرسم الاشهر بين الرسوم، وقالت لاحدى الجرائد الدانماركية انها تتفهم هذا الرسام فيما رسم.


ولعل ما حول هذا الحكم الى تابو هو طابعه الديني اولا والتأييد الشعبي الساحق له ثانيا. يضاف الى ذلك ان جهات كبرى اسلامية وغير اسلامية ذات مصالح سياسية واقتصادية متشابكة، وجدت في تحويل هذا الحكم الى تابو ما يساعد على اغلاق المسألة برمتها ومنع الاقتراب منها. فهي كما قال التويجري حدث عارض وقد انتهى. في حين انها في الواقع لم تكن حدثا عارضا ولم تنته.
فالدانماركيون ومعهم معظم الغرب يعتبرون «معركة الرسوم» مسألة كرامة ومبادئ وقيم حضارية أساسية في بنيتهم المجتمعية والانسانية وفي مقدمتها حرية التعبير. ويعتبرونها ايضا معركة بين منظومتين من القيم والمبادئ والخصائص الحضارية، وقد انتصروا فيها بشكل واضح. ولعل من تجليات ذلك تكريم الرساميين والدفاع عنهم، وضم رسومهم الى مقتنيات المتحف الوطني الهامة.
مسألة الرسوم اذاً لم تنته بعد، وتستحق النقاش البناء والهادئ من زوايا نظر مختلفة وجديدة وجريئة. لانها ما زالت تسمم علاقة الكثير من مسلمي الدانمارك بمحيطهم الاجتماعي، وما زالت تؤثر وبقوة على حكم هؤلاء الناس على المجتمع وقيمه، وتغري البعض بارتكاب حماقات وجرائم بشعة ضد المجتمع.


ولا شك ان الفضل يعود الى خطوة  الناشطة أسماء عبد الحميد في اطلاق النقاش الاخير فهو رغم نمطيته الواضحة ولونه الواحد تقريبا، يشكل بداية متواضعة، وفي نفس الوقت يؤكد أهميته وضرورته للاقتراب من هذه المسألة والخلاص من الحصار المضروب حولها.

مواضيع ذات صلة