بعض المرات وبسبب حرارة المشاعر يتمادى بعض الناس ويتحدث عن الأمور بلغة  أو بطريقة «نحن و هُم»، يعني مثلا: نحن «أخلاقنا حضاريه عظيمه»، بينما هم «حشاك حمير، نَوَر!». بالمناسبة « النور» أو الغجر أيضا عندهم ثقافة وتقاليد علينا احترامها. وهذه الظاهرة موجودة لدى كل الشعوب. في العمل الاجتماعي مع الأطفال والشباب وبالذات من اللاجئين والمغتربين كثيرا مايقول أولياء أمورهم: أطفالنا تعلموا السلوك السيء من الآخرين، فإذا كانوا عرباً رموا التهمة على الترك والعكس صحيح، وقِس على ذلك. هذا مثال فحسب وليس تعميما، فالدنيا لازالت بخير حيث صار الناس هنا في المغترب الدنمركي يعون هذا الخطأ ويفكرون على طريقة «مفيش حد أحسن من حد» أو» تحصل في أحسن العوائل». لكن الطامة الكبرى ليس في هذا بل في شأن أعظم، ألا وهو الاختلاف الديني والمذهبي والطائفي والقبلي ضمن المجتمع نفسه كما يحدث في بعض المجتمعات العربية والمسلمة، التي تؤثر في حياة المغتربين هنا في الدنمرك.


عندما بدأ الربيع العربي في ليبيا إتصلت بي إحدى السيدات من قارئات الصحيفة رجتني ان اكتب عن مخاوف العرب من الربيع العربي بسبب تدخل الأجنبي، لكننا استبشرنا خيرا، وأكد لنا أشقاؤنا الليبيون المقيمون في الدنمرك مثلا بأنهم شعب منسجم ينتمي الى مذهب واحد وليس فيه طوائف، ولن يحدث ماحدث في لبنان أو العراق مثلا. كان منهم من يقول مثلا وعن حسن نية: «لا، نحن ليس عندنا هذه الأمور مثل العراق» ! وكنا نقول: الحمد لله وإنشاء الله خير. لكن مايحدث الآن بين القبائل أسوء من الحرب الطائفية فهي في حقيقة الأمر قد تساهم في وقف الاقتتال على أساس أن أبناءها ينتمون إلى هويات متنوعة كما حدث في العراق.


علينا إذن أن ننأى بأنفسنا عن هذه الخلافات ونقبل بالاختلافات الطبيعية «فاختلاف أمتي رحمة» كما يقول الرسول محمد ص، والاختلافات ثروة إذا ما استطاعت الشعوب توظيفها والاستفادة منها. فالتعدد الديني والطائفي مثلا في المنطقة العربية والشرق الاوسط يمكن أن يكون سببا للسياحة الدينية فتدرعلى أهلها موارد اقتصادية وثقافية كبيرة بدلا من الاقتتال والحروب.
كلنا بشر نختلف في شأن ما ونتشابه في عدة أمور، وماشاء الله العولمة دخلت في بيوتنا وغرف نومنا وتدخلت في تربية أطفالنا بحيث أصبحت الفوارق بين الشعوب تتناقص يوما بعد يوم، فما أدراك بين الشعب الواحد. والقرآن الكريم يذكرنا بأننا خلقنا من «شعوب وقبائل» لنتعارف لا لننبذ الآخرين او لنتقاتل. حتى ربيعنا العربي لم يسلم من تدخل المخابرات الأجنبية فيه هنا وهناك وطبعا استغلاله للفروق بين الاطياف المختلفة على طريقة «فرّق تَسدْ» الشعار السئ الصيت الذي استخدمه ولايزال يستخدمه الاستعمار.


والمؤسف أن هذا الخطأ يقع فيه بعض السياسيين والاعلاميين ورجال الدين في البرلمانات والمنابروالفضائيات التي يستمع اليها شبابنا المغتربون يوميا وتؤثر فيهم تاثيرا قويا وتفرقهم بل تستعدي بعضهم بعضا. لا نريد هنا في الدنمرك ان نسمع سياسيا أو صحفيا أو شيخا أو خطيبا يقول مثلا: «مريدو تلك الطائفة دعوا لقتل أبنائنا وحرّضوا ضدنا في هذا البلد او ذاك، هُم عدوانيون ونحن مسالمون» لأن هذا الأسلوب وهذا الخطاب تحريضي هدفه التفرقة شئنا أم أبينا ذلك. صدقوني لو كان في ليبيا دينان أو طائفتان دينيتيان لسمعنا بعض الخطابات الرنانة التحريضية هنا وهناك. أيها الأخوة المغتربون واللاجئون لا تثقوا بأي شخص يحرضكم على كراهية الآخرين تارة بإسم الدمقراطية وأخرى بإسم الربيع العربي، لمجرد إنتمائهم إلى مجموعة أخرى تختلف عنكم في المأكل والملبس والمعتقد ولا تسمحوا لهم بالمزايدة عليكم واستغلال مشاعركم فلا قدسية لمن يدعو إلى التحريض. لكل ظالم يومه الأخير ولا دخل للطوائف فيه! فهؤلاء «عادلون» في توزيع ظلمهم على أبناء شعبهم، الذي لم يعد يعنيهم بشيء غيراستغلالهم إياه وإذلاله. والظالم أول من استعبد واحتجز طائفته أو قبيلته وعائلته رهينةً بيده كي يدافع عن نفسه.


رجال الدين بالذات مدعوّن بل مطالبون شرعيا اليوم، أكثر من أي وقت آخر بدعوة جميع مؤمنيهم ومريديهم إلى العبادات والصلاة مع الآخرين ونبذ الخلافات لأن ما يجمعنا أكثر مما يفرقنا، وعليهم التخلي عن لغة «نحن وهُم» لأن هذا مجرد وَهْم!   
 

مواضيع ذات صلة