طالعتنا الصحف الغربية أن قوات الأمن الدنماركية القت القبض على شابين مسلمين من الصومال يحملان الجنسية الدنماركية بتهمة التخطيط لأعمال إرهابية . هذا الحدث القى بظلال قاتمة على الجاليات العربية والمسلمة في الغرب و أنها تفرخ إرهابيين ومن هنا نتوجه إلى قادة الرأي والفكر و الإعلام و السياسة الذين يريدون إعادة صياغة تفكير الشباب المسلم في الغرب ، الذين يأملون في أن يصير الشباب المسلمون يوما أناسا يحتضنون قيم الديمقراطية الغربية، ويعتنقون قيم التعددية بدلا من احتضان واعتناق الخطوط المعقدة لأيدلوجية المقاومة التي هيمنت على عقول الشباب المسلم، و الذين  أعلنوا عن آمالهم وطموحاتهم في تقوية العلاقة بين المسلمين والغرب بعد نجاح ثورة الربيع العربي، و بالشكل اللائق الذي يصب في مصلحة الطرفين، إلا أن الأمر مرهون، أولا وأخيرا، على إشراك  الشباب المسلمين كحلقة وصل لتقريب وجهات النظر ولتخفيف حدة التوتر. فالشباب المسلم قادر على فتح قنوات حوار  مع الغرب و قادر على مناظرة الغربيين في كل شؤنهم.  هم لا يريدون اوصياء عليهم من افراد أو جماعات أو تنظيمات. فالشباب المسلم بعمومه مسالم و هو بتعرض للظلم و يحارب إعلاميا و عليه عيون المخابرات و يلاحق امنيا بسبب التزامه الديني.
 
أن أهم عوامل التفاهم بين الشباب المسلمين و الغربيين، تتركز في داخل مؤسسات الجاليات العربية والمسلمة التي تعيش في الغرب، و الذين يعتبرون أنفسهم مواطنين لهم ما عليهم من حقوق وواجبات. ومن ثم فإن مؤسسات مسلمي الغرب الدينية و الثقافية ستكون رأس الحربة في تغيير عقول الشباب المسلم نحو ممارسة الديمقراطية والتعددية، وصرفهم عن التطرف والأصولية وتعمل على تخفيف ظاهرة الخوف من الاسلام في المجتمعات الغربية ( الاسلاموفوبيا).
 
المطلوب من الشباب المسلمين في الغرب العمل على تحويل نظرية "صدام الحضارات"، الى نظرية  لقاء الحضارات. و أحب أن أوضح أن الأمر ليس بتلك البساطة أو السهولة التي تفترضها النظريات السلبية أو الايجابية، فالحقيقة تتطلب من الشباب المثقف السعي بجهد وراء تقويم أحداث 11 سبتمبر 2001 ، من خلال قياس حجم "الإنجازات" التي كان يحلم بها المنفذون ومن يقف خلفهم". بمعنى آخر، هل استطاع منفذو عمليات 11 سبتمبر ، أيا كانوا تحقيق أهدافهم وآمالهم التي كانوا يتمنونها؟ هل أظهرت السنوات العشرة  التي تلت الأحداث "إنجازات" إيجابية لدعاة السلام وما رد الفعل المناسب الذي يجب على الغرب والشباب المسلمين تبنيه لمواجهة هذا التحدي  الحضاري"؟.
  
إن الأثر "التراجيدي" الذي عكسته أحداث 11-9-2001، على الشباب المسلمين بالغرب ، يذكرنا - بأفلام "هوليوود" الأمريكية، المعروفة بإثارة مشاعر المشاهد لدرجة تجعله يتعايش معها، متوحدا معها وكأنها حقيقة.
 
كان الإعلام الغربي يأمل  من خلال نشر ثقافة الخوف من الإسلام ( الإسلاموفوبيا) -أولا- في إرسال صدمات من الرعب والخوف من الإسلام إلى الغرب، بحيث تؤدي تلك الصدمات إلى إثارة وتعبئة الجماهير الغربية لقبول قرارات و قوانين تقيد حرية الجاليات العربية و الإسلامية بالغرب و تعيق من حركة مؤسساتهم الدينية و الإنسانية ، لتشارك حماة الوطن  في إسقاط القوى "الظلامية" حسب وصفهم و بدون خوف "من رد فعل منظمات حقوق الإنسان و رد فعل الشعوب و الحكومات العربية و المسلمة".
 
 وثانيا، كان الإعلام الغربي يأمل في إيجاد الشعار المناسب لتعبئة الجماهير في تقبل قرار غزو افغانستان والعراق. فقد أدركوا أن الشعوب  ومنظماتهم الإنسانية و الحقوقية بحاجة إلى شعار مفهوم تقبل أن تحارب تحت لوائه جيوش الناتو، فالشعوب الغربية لا تستطيع فهم " قيام الدولة الإسلامية أو الخلافة الإسلامية " بسهولة، ومن ثم اختاروا شعار "القضاء على اسلحة الدمار الشامل"، حيث وجدوه مناسبا وملائما لإقناع الشعوب الغربية بدعم الغزو الأمريكي لأفغانستان و العراق.
 
نجح الغرب في تحقيق المكاسب التي كان يبغيها من عملية الحادي عشر من سبتمبر؟ بمعنى آخر: سقط نظام صدام حسين وحل جيشه  و سقت طالبان  ومعها تنظيم القاعدة و اقيمت انظمة موالية للغرب في هاتين الدولتين .
هل تحولت هاتين الدولتين الى الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، كما كان يروج لها الإعلام الغربي؟ وهنا نجيب بالنفي القاطع، وندلل نفينا هذا بالحالة التي صارت عليها كل من أفغانستان والعراق. فأما الأولى فقد أضحت دولة كرتونية ممزقة ، ومختلفة تماما عن تلك الدولة التي كانت في يوم من الأيام تحكم من جماعة طالبان و التي كانت تأوي بن لادن وأنصاره قبل مصرعه في الباكستان،. وأما الثانية، فقد أضحت مسرحا للقوات الأمريكية المحتلة قبل انسحابها في نهاية العام الماضي، بل أضحت عاصمتها بغداد -التي كانت يوما عاصمة الخلافة العباسية- أضحت خاضعة ومستسلمة لقوة محتلة قتلت الآف المدنيين و اسرة الآلاف و اذاقتهم صنوف التعذيب و الإذلال في سجن ابوغريب الشهير.
 
أما بخصوص القضية الفلسطينية و التي تأثرت سلبا بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر فقد باتت أراضي كل فلسطين تحت هيمنة الإسرائيليين". 
و ما نشهده الآن في فلسطين فحدث ولا حرج. فلم يحدث أن تدهور الوضع الفلسطيني -منذ عام 1948- بالسوء الذي نراه عليه اليوم و إن المصير السياسي للفلسطينيين كشعب أو ككيان مستقل مظلم للغاية، وهو لم يبلغ هذا التيه الذي نراه عليه اليوم، إلا بعد عملية الحادي عشر من سبتمبر 2001 فالانتفاضة تنهار، والحكومات الإسرائيلية  المتعاقبة تبني الجدار العازل والمصالحة الفلسطينية بعيدة المنال و القدس تهود امام ناظرينا.
 
الإعلام الغربي حقق نجاحا ملحوظا في جعل الإرهاب الإسلامي هو الموضوع الأهم على الأجندة العالمية، وذلك ليس فقط على الصعيد الدولي، وإنما أيضا على الصعيد المحلي. فاختطاف الصحفييَن  و مواطني دول الغرب و العمليات الإرهابية التي يقوم بها شباب تربوا في الغرب و قاموا بتفجير قطار مدريد، و الهجوم على محطات قطارات الأنفاق في لندن والهجوم على المركز اليهودي في الدار البيضاء، وتفجيرات إستانبول التي استهدفت الأتراك اليهود.. و تفجيران نيروبي و كلها أحداث دلت على أن الشباب المسلم بالغرب مخترق حسب ما تتناقله الصحف الغربية من تنظيم القاعدة ، الذي لن يكف عن التوالد والتشعب والتفرع، وهذا ما يحسبه التنظيم نجاحا وتفوقا على جميع الظروف التي تبغي خنقه وتقييده. و رغم أن الإعلام الغربي قد نجح في جعل الإرهاب الموضوع رقم "1"، على آجندة الحكومات الغربية و العربية فإنه لم ينجح في ايقاف المد الشبابي العربي الذي حقق مكاسب ديمقراطية في دول الربيع العربي و اسقطوا انظمة شمولية و قمعية
 
نحن نعلق آمالا عريضة على مؤسسات الشباب المسلم بإوروبا و على مسلمي أوربا في إحداث نقلة نوعية في فكر الشباب المسلمين. و الحوار مع الشباب المتشدد هو المفتاح الوحيد لحسم المعركة مع التطرف و الإرهاب، والأمل الوحيد لتطهير عقول الشباب المسلمين من أفكار الإرهاب والتشدد.
 
 الإرهاب بكل صورة لن تُقتلع جذوره إلا إذا عُبئت المجتمعات المسلمة ضد التطرف الديني و السياسي ، سواء كانت هذه المجتمعات في داخل الدول ذات الأصل المسلم، أو في داخل الدول التي هاجر إليها المسلمون مؤخرا.
 
الحكومات الغربية و معها الإعلام  الغربي يركزون على أولئك المسلمين المنجذبين للنموذج الأوربي، إذ يرون فيهم بديلا عن الراديكالية الإسلامية الممثلة في التنظيمات الإسلامية المسيسة.  و يراهم "الغرب" تيارا إسلاميا معتدلا -وبالطبع مبشرا- لكونه يسعى إلى دحض الفكر "الإرهابي" من المساجد و المدارس الإسلامية . هذا التيار المندمج في القيم والعادات والتقاليد الغربية و المبتعد عن القيم الإسلامية  في داخل الأوساط المسلمة، يعمل جاهدا على حصر التدين في المساجد و تغيب الدين عن حياة المسلم. أوروبا تطرح هؤلاء  نموذجا بديلا للقيادات المسلمة التي تطالب بإندماج ايجابي مع الحفاظ على الهوية الدينية للمسلمين ، كما ذكرنا أعلاه.
إن التحدي الماثل أمام الشباب المسلمين الآن هو إما التغيير والتعديل والإصلاح، ليجنوا المكاسب التي يحظى بها الأوربي اليوم، فيصبحوا جزءا من الخبرة والتجربة الأوربية ، وإما الاندراج في التطرف والإرهاب.  
 
وأخيرا فإن استعراض هذه الرؤية الغربية لظاهرة الإرهاب وكيفية مواجهتها يجعلنا نطرح جملة التساؤلات الآتية:
 
هل أصبح الخيار أمام المسلمين اليوم هو إما العيش داخل منظومة وتجربة الآخر وإما العيش على الهامش؟
وهل أصبحت القيم الغربية الممثلة بالديمقراطية و المساواه هي المحدد للمسلم المعتدل وللمسلم غير المعتدل؟
ولماذا يُعلق ذنب الإرهاب دائما على أكتاف الشباب المسلمين ولا يُعلق بالمثل على أكتاف الشباب الغربيين و خاصة العنصرين منهم؟
ولماذا يُنظر دائما إلى أن أسباب الإرهاب تكمن في الإسلام وفي المسلمين؟
ولماذا يُستبعد الآخر دائما من المحاسبة في كثير من الأدبيات الغربية؟
وأخيرا.. هل نستطيع معالجة المرض بمعزل عن الأسباب الحقيقية المؤدية له؟

وهل تطوير الفكر الإسلامي يبقى بالفعل مرهونا بمسلمي الغرب؟.

 

مقالات أخرى للكاتب:

الجاليات المسلمة في اسكندينافيا بمهب الريح

ازدواجية الخطاب الإسلامي بمساجد السويد

المسجد الثلجي و حوار الأديان و الحضارات

حملة شرسة على الاسلام في السويد

وجهة نظر: الانتخابات السويدية والإخوان المسلمون

مواضيع ذات صلة