في الدّنمارك، في عاصمتها، مؤسّسة طاب من فكّر في إنشائها وتعس من التجأ إليها أو رابط بقُربها أو انتظر منها منفعة أو مساعدة؛ أو هكذا بدت لي من خلال تجربة مريرة عشتها معها!...

الأفضل أن لا يلتجئ المرء إلى البشر يسألهم حاجته – مهما كانت حاجته –، فهم إن جاملوه مرّة استثقلوه ربّما مرّات حتّى كادوا لا يطيقون لقاءه، لاسيّما إذا كان ممّن يتقن القبول دون الدفع؛ أي ممّن يرغب في مساعدة النّاس له دون أن يكون هو نفسه من ذوي الأيادي البيضاء على النّاس ولو بالتبسّم في وجوههم!...  ولكن كاد الفقر أن يكون كفرا، وقد يلجأ الكريم إلى الاستعانة بغيره للخروج من وضعيّة لم يخترها أو هو لم يتحوّط لها، كأن يأتي مثلي إلى العاصمة وقد سمع عن كرم السلطات فيها من حيث عنايتهم بالعجزة كبار السنّ أو العاجزين عن العمل بسبب إعاقات وفّرتها مصائب الحياة، حتّى إذا سكن فيها وعاشر قومها وحسب أنّ المقام قد بدأ بها يطيب فوجئ بعدم مطابقة المعلومة للواقع إمّا لعدم الأمانة في النقل أو لتغيّر سريع للواقع واكب حياة النّاس هذه الأيّام!... فالنّاس في العاصمة (المسؤولون والرعيّة) يدفع بعضهم بعضا ويستثقل بعضهم بعضا!... يشيرون عليهم بغير ما يرغبون فيه ولا يأبهون أبدا بما يشتكونه أو لما هم فيه!...

 

توسّطت تلك المؤسّسة بقيّة المؤسّسات فباتت يا سوء حظّها وحظّ المحتاجين إليها مرمى كلّ المؤسّسات!... فأنت إن كاتبت رئيسَ بلديّة أو وزيرا أو اتّصلت بمصلحة أو بلديّة وجّهوك دون تردّد إلى تلكم المؤسّسة!... والمؤسّسة قد تستقبلك فتسمعك أو غالبا ما توجّهك إلى إحدى بناتها المتفرّعة حسب التخصّصات عنها!... بناتها - وقد حفظن الصنعة عن الأمّ وحَصَين قائمة الأوراق المطلوبة، كما أحصاها اللاهث وراء المساعدة أو هنّ أكثر – يستقبلنك ويبثثن في روعك أن قد وصلتَ النّهاية؛ فأبشر!... ثمّ يدعوهنّ البرّ إلى إعادة الملفّ إلى الأمّ، كي تمطرك الأمّ مجدّدا بأوراق مجلّدة تحتوي على ما شاء من نصوص القوانين التي لا يزيد حفظها إلّا من همّ اللاهث وراء المساعدة وغمّه!...

 

همّ وغمّ لا يذهبهما إلّا شعور لدى طالب المساعدة بأنّه قد ساهم – وإن لم ينتبه النّاس ولاسيّما المسؤولون منهم إلى ذلك – في التخفيف من بطالة الدنماركيين الأصليين، ذلك أنّ هذه المؤسّسة قد رابط بها جيش مرن في كتابة التقارير التي لا تكلّف الدولة غير مرتّبه هو (جيش الموظّفين)!... فبدل أن تذهب المساعدات إلى مستحقّيها تنحرف إلى الموظّفين الذين بتقاريرهم استحقّوها!.. وهذه الحقيقة المرّة لا تقف عند المؤسّسة المذكورة فحسب بل تتعدّاها إلى مراكز التكوين وإعادة التقييم وغيرها من الأسماء الكثيرة التي ارتبط قيامها ووجودها بخدمة الأجانب والعمل على إدماجهم في المجتمع الدّنماركي، فبات الأجانب مصدر رزق لهم ولم يُرزَق الأجانب!...

 

كلام لا يُقال هنا للنّقد غير البنّاء، ولكنّه يُقال للمساهمة في إصلاح سلوك لا يزيّن صورة الدّنمارك الحريصة على مبادئ الديمقراطيّة وحقوق الإنسان، وللتحسيس كذلك بأنّ الإنسان واحد وإن اختلف من حيث النوعية العارضة فكان منه أصلي ووافد أو كان منه ابن بلد وأجنبي!...

 

وكي لا يتعب البعض في البحث عن المؤسّسة التي دار حولها الموضوع، فهي مركزيّة اجتماعيّة واسمها يشتقّ من اختصاصها!... والله من وراء القصد

مواضيع ذات صلة