اختارت بيا  كياسغو  أنسب الأوقات لتعلن تنحيها عن رئاسة حزبها (حزب الشعب الدانماركي) الذي أسسته مع ثلاثة أخرين قبل سبعة عشر عاما.
فالبرلمان الدانماركي في عطلة الصيف، والاخبار السياسة شحيحة جدا، ووسائل الاعلام المختلفة متعطشة الى أي خبر وتبحث على مدار اليوم عن أي شيء لكي تصنع منه خبرا أوقصة.
في هذا الوقت الذي يسميه الاعلاميون «الفصل الميت» أعلنت بيا كياسغو عن قرارها، فتلقفت وسائل الاعلام هذه الخبر/ الهدية لتنشغل به لأيام وربما لأسابيع، ووجد المحللون والمعلقون موضوعا دسما ينشغلون به.
والمعروف عن السياسية المحنكة بيا كياسغو علاقتها القوية بالاعلام وقدرتها الفائقة على تقديم مواقفها والترويج لها سياسيا وشعبيا واختيار الظرف والمكان المناسبين لتقديمها، وهذا ما فعلته هذه المرة ايضا .
ولكن ماذا يعني تنحي كياسغو من رئاسة حزبها للدانمارك وللسياسة الدانماركية ؟
يعتقد كثيرون أن تنحي كياسغو سيحد من قوة اليمين المتشدد في السياسة الدانماركية. لكنني لا اشاطر هؤلاء رأيهم لعدة اسباب، أولها أن دور كياسغو السياسي لن يضعف لانها ستبقى في البرلمان وفي قيادة حزبها عضوا فاعلا وقويا وستحتفظ بمساحتها الحالية في اللوحة السياسية وستؤثر بشكل كبير في قرارات حزبها والتحالف السياسي الذي ينتمي له.
وثانيا وهذا هو الأهم أن سياسة حزب الشعب المتشددة حد العداء تجاه «الاجانب» بشكل عام والمسلمين بشكل خاص لن تتغير لأنها من أهم ما يتميز به هذا الحزب، كذلك الحال في مجالات الاقتصاد ونظام الرفاهية الاجتماعية والسياسة الخارجية وغيرها.
السبب الثالث هو أن اليمين المتشدد في الدانمارك يستمد قوته من قاعدة شعبية عريضة ومن واقع اجتماعي وسياسي وإعلامي مازال مع الأسف قائما بشكل عام، فحزب بيا كياسغو يتمتع حسب استطلاعات الرأي الأخيرة بحوالي 13 بالمائة من أصوات الناخبين، وهذه نسبة كبيرة تزيد عن ما حصل عليه الحزب في الانتخابات الاخيرة، مما يؤشر الى استمرار وحتى اتساع تلك القاعدة الشعبية التي تدعم اليمين المتشدد في المجتمع الدانماركي.

أما الواقع الاجتماعي الحالي الذي يمد اليمين بالقوة فمن أبرز مظاهره وجود «الاجانب» عموما والمسلمين خصوصا في الدانمارك والتعقيدات الثقافية والاجتماعية التي تحيط بهم، حيث نتج عن ذلك سلسلة من القوانين والحملات الاعلامية والتصريحات والنشاطات السياسية المعادية. إضافة الى ذلك شكلت الازمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد وما تسببت به من تزايد أعداد العاطلين عن العمل، عاملا إضافيا في تقوية اليمين المتشدد في الدانمارك.

وعلى الرغم من انخفاض حدة النقاش العام حول الاجانب في الاعلام الدانماركي وذلك منذ مجيء الحكومة الحالية بعد الانتخابات الاخيرة، فان ملف الاجانب مازال الورقة الرابحة بين يدي حزب الشعب الدانماركي. وسيلعبها حالما تتاح له الفرصة ويحين الوقت المناسب.
لذلك كله فان تنحي بيا كياسغو عن رئاسة حزبها لن يؤثر على قوة الخط اليميني في السياسة الدانماركية. لكن ابعاد هذا اليمين عن سدة الحكم والقرار بعد الانتخابات الاخيرة هو الذي حد من قوته وحرمة من النفوذ. وهذا طبعا محكوم بما سينتج عن الانتخابات القادمة.

 

 


 

 

 

مواضيع ذات صلة