كتب بواسطة: ليون برخو - مدير مركز دراسات ممارسات الإعلام وتأثيرها على المجتمع جامعة يونشوبنك-السويد.

 

 

ازداد سيل اللاجئين السوريين صوب السويد أخيرا بشكل لافت للنظر. لا علم لي إن كان للمقال الذي كتبته حول الطريقة الرائعة التي تتعامل السويد بها مع القادمين السوريين إليها تأثير في ذلك، إلا أن الزيادة حصلت في الفترة التي أعقبت المقال، الذي وردتني حوله عشرات الرسائل من اللاجئين السوريين في لبنان والأردن وتركيا والعراق وبعض بلدان الخليج.

مهما يكن من أمر فإن تدفق اللاجئين السوريين صار بالآلاف كل أسبوع وليس كل شهر، ما حدا بسلطات الهجرة إصلاح وترميم حتى المعسكرات التي أغلقها الجيش السويدي، ضمن خطة ترشيق القوات المسلحة وإعادة تأهيلها لإسكان القادمين الجدد.

ورغم الأعداد الكبيرة ليس هناك في الأفق أن السويد ستغير في سياستها القائمة على استقبال أكبر عدد ممكن من اللاجئين السوريين.

وكي أكون واضحا ولا يصار إلى سوء فهم فإن موقف السويد من اللاجئين السوريين لا يعني سياسة الباب المفتوح. كل سوري وفلسطيني ساكن سورية باستطاعته الوصول إلى السويد يمنح حق الإقامة الدائمة. ولكن المسألة هي كيف تصل؟

والنقطة المهمة الأخرى هي أن طريقة قبول اللجوء التي تستخدمها السويد إنسانية بحتة ومكلفة جدا للبلد. السوري أو الفلسطيني المقيم في سورية الذي يحصل على إقامة دائمة يصبح مواطنا سويديا له الحق الكامل في التمتع بالامتيازات السخية التي تقدمها الدولة لمواطنيها ضمن برنامج الرفاهية الاجتماعية والحصول على الخدمات العامة كلها مجانا إن كان الشخص عاطلا عن العمل أو غير قادر على القيام به.

لم تفتح السويد بابها للجوء بهذا الشكل إلا للعراقيين سابقا. ومن خلال تجربتي لم يحصل اللاجئون من أي بلد آخر على تسهيلات مثل التي قدمتها وتقدمها السويد للعراقيين سابقا والسوريين حاليا. لماذا العراق وسورية بالذات؟ هذا سؤال قد يؤرق البعض، لكنه سهل الجواب.

كنت في زيارة علمية إلى جامعة لينشوبنك ــــ نحو 120 كيلو مترا عن جامعتنا ــــ وهي الجامعة رقم واحد في السويد، لها صيت عالمي لا سيما في الطب والهندسة والعلوم، وصادفت زيارتي انعقاد حلقة دراسية أعدتها الجامعة للأطباء الجدد في المحافظة التي تقع فيها الجامعة وحضرها نحو 30 طبيبا.

وشاءت الصدف أن ألتقي طبيبا عراقيا كان ضمن الحاضرين، والغريب للغريب نسيب، كما يقول الشاعر. إلا أن العراقي الشهم هذا قال: "أنا لست وحدي، أغلب الحاضرين في الحلقة الدراسية من العراق، ومنهم أيضا من سورية".

ظهر أن الأطباء السويديين الجدد في المحافظة أقلية، وأن أغلبهم عراقيون وسوريون. العراقيون صارت لهم فترة طويلة في السويد، ولكن اندهشت عندما تحدثت مع بعض الأطباء السوريين الذين لم يمضِ على وصولهم البلد سنتان أو ثلاثا، واستطاعوا الولوج بقوة في القطاع الصحي السويدي، الذي هو الأرقى والأكثر تقنية في العالم.

أي سياق أو مقاربة ومقارنة ستمكننا من فهم هذه الظاهرة؟ العراق وسورية كانتا أكثر دول المنطقة تطورا من حيث التربية التعليم والعلوم والثقافة والفنون وغيره. هذه حقيقة، وإن أخذنا عدد الحاصلين على شهادة الدكتوراه بين كل ألف شخص كانت العراق تأتي في المرتبة الأولى في العالم.

وكان البلدان متطورين جدا في حقل الصحة والطبابة، وكان للعراق أفضل نظام صحي في الشرق الأوسط قبل أن تعصف به الحروب والمآسي.

والسويد استفادت كثيرا من اللاجئين العراقيين، واليوم تحاول أن تستثمر موجة اللاجئين السوريين القادمين إليها. موظفو الهجرة السويدية في الإعلام يكررون أن العراقيين والسوريين بصورة عامة من أثقف الأجانب الذي وصلوا إليها، وأكثرهم علما وحصولا على شهادات عالية.

ألم يكن بإمكان العرب سوية تجنب ما حدث لهذين القطرين "الشقيقين" والحفاظ على بنيتهما التحتية التي صارت هباء منثورا. صحيح أن البلدين والشعبين صارا ضحية حكومات وسلطات استبدادية وقمعية، ولكن ما ذنب هذا الشعب المتعلم الذي يرى في لاجئيه بلدا فائق التطور مثل السويد هبة من الله لاقتصاده وخدماته الاجتماعية؟

نقلا عن الإقتصادية

مواضيع ذات صلة