لم تعد حرب العصابات غير المعلنة في شوارع كوبنهاجن تقتصر على عيارات نارية تطلق بين الفينة والآخرى، فقد انتقلت المعركة إلى حلبات السياسة والإعلام، وبعد مرور شهور عديدة على بداية المعركة أصبح السياسيون والإعلاميون في حاجة لكبش فداء يصبون عليه غضبهم وتصريحاتهم النارية لتنضم إلى الأعيرة النارية من عصابات الروكر.  فكانت ما تسميه أجهزة الأعلام " عصابات المهاجرين" هدفاً سهلاً ، فشهدنا في الأسبوع الماضي عناوين صحفية تتحدث عن أن  عصابات المهاجرين تمنع  الوجبات الغذائية عن كبار السن في حي النروبرو، وأن عصابات المهاجرين لا يمكلون أي حس إنساني. أنا لا أعرف ماذا تقصد أجهزة الإعلام بهذا المصطلح، فهل أصبح لنا عصابات تمثلنا وتحارب من أجلنا؟ أم أن هذه العصابات في حقيقة الأمر عصابات إجرام ومخدرات اندمجت في بيئة الإجرام الدنماركية وتعلمت على أيدي عصابات الروكر كيف أن التجارة بالمخدرات والسلاح تمنحك مستقبلاً باهراً في طبقة من طبقات المجتمع الدنماركي.
ليس غريباً أن يخرج علينا المتحدث بإسم عصابات الروكر يونكه نيلسن ويهاجم أبناء المهاجرين ويتهمهم باستهداف عصابته، ولكن الغريب هو أن يتبنى السياسيون الدنماركيون رأي صاحب الأحكام الإجرامية و يصفونه بأنه مستهدف من أناس لا يوجد عندها أي رحمة كما وصفهم وزير العدل، وهو يعني أبناء المهاجرين.
وليس غريباً  أيضاً أن يخرج علينا المعلق في صحيفة اليولاند بوسطن السيد رالف بيتيلكو ويربط الأحداث الإجرامية بالإرث الإسلامي الثقافي لدى أبناء المسلمين - كما وصفهم-  وهذا الإرث حسب تعبيره لا يصلح في مجتمع ديموقراطي، لم يعزف بيتيلكو عن التغني به صباح مساء. وطالب بيتيلكو بأن تقوم الحكومة بإجراءات تهدف إلى تغيير ثقافة "الشباب المسلمين"، فلا نعرف أي  جزء من ثقافة المجتمع الدنماركي  سيختار بيتيلكو لشباب المسلمين؟ هل سيختار ثقافة الروكر أو ثقافة رواد بيت الشباب أو ثقافة الإدمان على المخدرات والمنشطات أو ثقافة الكحول؟ وهل نسي بيتيلكو هو وزوجته وزيرة الرفاه كارين يسبيرسن آَلاف الطلاب المسلمين في الجامعات الدنماركية من أصول إسلامية، مئات الأطباء والمهندسين و آلاف الطلبة في الكليات الاقتصادية، أم أنه كما عودنا يبحث عن  حجة لتشويه  صورة المسلمين والإسلام علماً بأن بعضنا يقدمها له على طبق من ذهب  في بعض الأحيان.  
الإعلام والسياسيون يدركون كل الإدراك حقيقة أن الشباب الذي يحملون السلاح في حي النروبرو هم من أبناء هذا البلد ، تربوا في حضاناته ومدارسه ورقصوا في مراقصه وهاهم اليوم يردون الجميل لمعلمهم و أن هذه الأفعال التي يقومون بها لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن أصولهم وحضارتهم الأم. فلماذا يصرون على تسميتهم بعصابات المهاجرين؟  لا يوجد تفسير لدي سوى أن البعض رأى في هذه الحرب فرصة لحصد مكاسب سياسية وتشويه صورة شرحة كبيرة من أبناء المهاجرين الذين يعملون من أجل مستقبل أفضل للجميع في الدنمارك. 
إن ما تسمى بسياسة الاندماج التي اتبعتها الحكومات الدنماركية المتعاقبة هي المسؤولة عن ما نراه اليوم في شوارع كوبنهاجن والضواحي، فلقد خلقت هذه السياسة جيلاً من الشباب لا يملك أي جذور يعتز بها، لأن أحد أعمدة هذه السياسة كان ومازال يرى أن الثقافة الأم واللغة الأم هي عائق في وجه الاندماج في المجتمع الدنماركي، فأصبح الشاب والشابة لا يعرف أن يتحدث مع أبويه في البيت لأنه لا يتقن العربية، بل ورسخت الحكومات فكرة أن اللغة العربية هي لغة عديمة الجدوى وعبء يجب أن يتخلص منه الأبناء في طريقهم إلى الاندماج المثالي.
فهذه هي عصابات الاندماج المثالي في بيئة الإجرام الدنماركي لا أكثر، كما هو الحال مع من انسلخ من جلدته وسار في ركب تحقير الثقافة العربية والإسلامية ففتحت له أبواب البرلمان والإعلام، كلا المثالين هما ناتج عن هذه السياسة العقيمة التي لن تجلب إلا التشتت والإجرام.
ما نحتاجه ليس حلولاً تجميلية وإجراءات تعسفية في حق فئة من أبناء المجتمع كخطة الحكومة الجديدة، ما نحتاجه هو إعادة ترسيخ روح المجتمع المنفتح وثقافة قبول الآَخر وقيمه وحضارته، حتى لا نفقد البوصلة ونضيع مستقبل أبناؤنا.
بقلم : نضال أبو عريف 

مواضيع ذات صلة