هذه ليست مزحة ، ولكن هذا ماحصل في الدنمارك في إحدى فترات التاريخ ، والسبب في ذلك ، هو نقص في التشريع الانتخابي ،وبالتالي التمثيل النيابي..!
كان مرأى مقصلة الثورة الفرنسية في العام 1793 يطيح برأس الملك والملكة الفرنسيين، من قبل جموع الشعب، وكما تم تسميتهم في فترتها بالرعاع، الأثر المرعب الذي حدا بالكثير من الممالك الأوربية بقبول مشاركة الآخر في الحكم..
في الدنمارك حدث هذا القبول عام 1849،وهو تاريخ بداية الديمقراطية ،وأقول بناء ،لأنها تطورت ،وظلت تجري عليها التعديلات ،الدستورية بين فترة وأخرى بما يتلاءم وواقع العصر وخدمة الإنسان في البلاد.
الأشخاص الذين ترأسوا مطالبة الملك حينها في المشاركة في الحكم كانوا من الارستقراطيين ، لنفوذهم وتعلمهم ،وهم بالتالي كأمناء لطبقتهم كان لابد لهم من يضعوا قانونا انتخابيا يخدمهم ، وهذا ما تم ووافق علية الملك ، كرأس شكلي لهذه الطبقة .
تم إقرار إن من يحق له الانتخاب:هو الرجل فقط ، ممن يبلغ من العمر  ثلاثين عاما فما فوق ، وان يمتلك بيتا ، وان لايكون مدينا لأحد بأي مبلغ من المال ..!
في تلك الحقبة كانت هذه الشروط تعني، أن لا أحد غير الأثرياء يحق لهم المشاركة في الانتخابات.
أن تمتلك بيتا، ولاتكن مدينا لأحد بأي مبلغ من المال في فقر تلك الفترة، واستثناء النساء، يعني إن أكثر من 95% من أفراد الشعب لن يكونوا ممثلين.
كان هنالك حزبان الأول هو اليمين الذي يمثل الارستقراطية التقليدية المحافظة ،والثاني اليسار الذي كان متأثرا بالأفكار الاقتصادية الفلسفية ، في البلدان المجاورة خصوصا ألمانيا ، وفلاسفتها المعروفين ، إذ كانت شعبيته في صفوف عامة الشعب التي لايحق لها الانتخاب وفق الدستور ،ولذا لم يكن له أي حظ في الفوز ،مما مكن اليمين من الحكم ،مايقارب الخمسين عاما متتالية.
 
حدث الاستبداد الديمقراطي ، في العام 1885 ،إذ كان على رأس السلطة السياسية ،كرئيسا للوزراء ، زعيما من حزب اليمين أسمة " ياكوب أستروب " تولى رئاسة الوزراء ابتدءا من عام 1875 ولمدة 19 سنة متتالية .
في سنة الاستبداد تلك ،تعرض " استروب" لمحاولة اغتيال فاشلة من قبل "عامل مطبعة صف حروف" ،على أثرها تولى بالإضافة إلى منصبه كرئيس وزراء منصبي وزارة الداخلية ،والاقتصاد معا مما مكنه من  منح الشرطة سلطات قمعية ،واستبدادية غير مسبوقة.
ولسنين استمر القمع واستمر اضطراب الأوضاع الداخلية ،مظاهرات عمالية ،ومطالبات ،من متنورين ارستقراط ،وجهود يساريين آخرين ، كل هذه الأمور دعت البلاد  أن تسن  قانون التشريعات البرلمانية في لعام 1901 ،والذي في أهم بنوده أن يتم انتخاب رئيس الوزراء من قبل المقترعين مباشرة وليس من قبل أعضاء البرلمان كما في السابق،وبعد أن جرت انتخابات  في ذلك العام ونتيجة للتشريعات البرلمانية الجديدة ،فاز في الانتخابات حزب اليسار.
جدير بالذكر إن حزب اليمين لم يفز بأي انتخابات بعد ذلك أبدا، رغم انشقاقه إلى أكثر من حزب.
في العام 1915، تم إقرار تشريعات جديدة وتعديل بعضها من أهمها حق المرأة في التصويت، وتعديل عمر المقترع من 30 الى 25.
في العام 1953 تم إقرار إمكانية أن تترأس الحكومة امرأة.
في العام 1978 أصبح عمر المقترع 18 فما فوق.
عدد أعضاء البرلمان اليوم 179 نائب .
كل نائب لدية هاتف موبايل خاص ، يستلم فيه مكالمات أفراد الشعب ،ويرد عليها  ،أرقام الهواتف هذه معلنة ،هنالك أوقات محددة في أيام اجتماعات البرلمان يتمكن فيها أفراد الشعب من الحضور وطرح أسئلتهم واستفساراتهم على الأعضاء.
في كل جلسة برلمان يحضر بالإضافة إلى النواب ال179 المئات من مواطنين آخرين يحق لهم حضور جلسات البرلمان ، والصحافة في مقدمتهم ، التي هي رقيب الشعب ،الأساس في مراقبة مايجري ونقله بكل حرية.
ختاما مااردت قوله من خلال هذه التجربة : هو انه وجود نقص في تشريعات برلمانية ما… قد يشكل ثغرة لاستبداد في الحكم كما حدث مع " استروب" ،والشيء الآخر هو ملاحظة التدرج في بناء الديمقراطية الذي مازال يتطور في خدمة الإنسان في هذه البلاد .
الديمقراطية، مران، طويل ومدرسة يتعلم فيها ومنها الجميع، وصولا إلى المبتغى النبيل.
 
ضياء حميو
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

مواضيع ذات صلة