فى عصر غلبت عليه سمات التطرف وغلبت عليه المساومة والمضاربة والإتجار أحيانا في المبادئ الأساسية، اختلطت مقاييس التطرف والاعتدال وأصبح غاصب الحق محقا وطالب الحق مخلاً.
إذا لم تكن إسرائيل دولة عنصرية  فماذا توصف به دولة على مدى ستين عاما اغتصبت اراضى وقتلت عشرات الآلاف وشردت مئات الآلاف واقامة هذا العدد الهائل من المستوطنات والحائط العنصرى، ناهيك عن الضغط النفسي والإرهابي والاقتصادي لشعوب المنطقة وترويعها لقبول الأمر الواقع.
فى الايام القليلة الماضية أنعقد في جنيف منتدى دوربان الثاني تحت عنوان "مكافحة العنصرية" وكان عدد من الدول الأوروبية بالاضافة إلى الولايات المتحدة ، قد قرر مقاطعة المؤتمر. وبررت تلك الدول مقاطعتها بسبب تضمين الوثيقة الختامية للمؤتمر انتقاداً لإسرائيل، بعد حملتها العسكرية الأخيرة على قطاع غزة. وأثناء كلمة الرئيس الايراني وبمجرد وصفه اسرائيل بالنظام العنصري انسحبت بعض الوفود الأوروبية المشاركة إحتجاجا ، فأين أذا حرية التعبير؟. ومع ذلك وبعد المساومة والضغط خرجت جميع الوفود منتصرة سعيدة.
فوزير الخارجية الدنماركى أعتبر الوثيقة الختامية نصرا للاتحاد الأوروبى ، ويقول أنه بعد مداولات ومساومات مضنية تحقق اولا عدم المساس بحق انتقاد الأديان، وثانيا إضافة أن تكون المحرقة اليهودية فى ذاكرة الجميع، وثالثا ملاحقة المسؤولين عن الابادة الجماعية بالاضافة إلى عدم ذكر كلمة إسرائيل أو فلسطين.
وكانت  الدنمارك قد شاركت في المؤتمر فقط على مستوى السفراء حتى لاتبدو أنها منفصلة عن الكبار وفى نفس الوقت تستطيع بوجودها الدفاع عن حرية التعبير فى قضية الأساءة للأنبياء.
أيضا أعتبرت الوفود الأخرى غير الأوروبية أن الوثيقة الختامية نصرا، فخروج بعض الوفود الأوروبية على غير العادة هو بداية تغير نوعى ما يعنى أنها فى الموقف الضعيف. كما أن تضمن البند §12 من الوثيقة الختامية  قيود حول عدم التسامح والعنف ضد الأديان فى صوره النمطية يعد أيضا نصرا، حيث سيترتيب عليه أن ترغم الدنمارك إلى تعديل أحد بنودها (b § 226) من قانون العقوبات ليصبح تكرار الرسومات المسيئة للرسول ممنوعا بالقانون.
هنا لابد أن نقف وقفة إنتباه لما نرى ونسمع. إن قبول أن تخرج جميع الأطراف منتصرة يمكن السماح به كما تعهدنا فى القضايا والخلافات السياسية، فهنا دول وعلاقات ومصالح قد تقتضى مرونة وتنازلات وضغوط لتحقق أكبر قدر من مكاسبها وقد تقتضى حلا وسطا . أما عندما يكون كما هو الحال مؤتمرا لإقرار أحد المبادئ الإنسانية مثل مكافحة العنصرية فلا يصح أن يكون الاختلاف لهذه الدرجة، حتى أن معظم الدول الأوروبية لا ترى ما هو واضحا أن إسرائيل دولة عنصرية وتقوم على مبدأ التمييز ، بينما تعتبرها معظم دول العالم دولة عنصرية بل وتعدها آخر معاقل الاستعمار الاستيطٌانى. هنا لايمكن التقابل لحل وسط فإما أنها دولة عنصرية أو أنها ليست كذلك.
 ومهما تعددت الأسباب التقليدية وراء تدليل إسرائيل إلى حد الاستفزاز وإلى حد إقامة حروب من أجل بقائها باطشة وغاصبة ، وإلى حد التهديد بالغزو للدول المجاورة، وإلى حد مقاطعة المؤتمرات والانسحاب احتجاجا فقط لمجرد ذكر إسرائيل، ولمجرد التشكيك فى المحرقة اليهودية ، مهما تعددت الأسباب  فلابد أن هناك إما أسباب خفية تحول دون رؤية العالم أجمع عظمة إسرائيل وأهميتها أو أن الضعف الشديد وخيبة دول المنطقة ساهم على مدى عقود فى عدم التصدى لهذه المهذلة.     
أذا كان الضمير العالمى اضطر أن يتغاضى وينسى معاناة الشعوب والأقليات من العنصرية لقوى الاستعمار القديم على مدى قرون في آسيا وأفريقيا، وتغاضى أن ينتزع اعتراف الدول المستعمرة (أوروبا وأمريكا) بارتكابها تجاوزات وانتهاكات بلغت حدود الجرائم ضد الإنسانية، فإنه من غير المنطقى أن يتجاهل الضمير العالمى ما تمارسه إسرائيل فى الحاضر وفى كل يوم.

مواضيع ذات صلة