إنعقد المؤتمرالثانى لمكافحة العنصرية والمعروف بدوربان 2 فى مدينة جنيف بسويسرا فى المدة من 20إلى25 إبريل الحالى 2009 والذى حضره ممثلو  أكثر من مئة دولة و أكثر من 300 مندوب غير حكومي كما شاركت مؤسسات وشخصيات من الداخل الفلسطينى .
تحول المؤتمر إلى مؤتمر للعنصرية (وليس مكافحتها ) حيث شهد سجالا بين الولايات المتحدة وإسرائيل والغرب من ناحية ودول العالمين الإسلامى والعربى ودول عدم الإنحياز من الناحية الأخرى ..بل وصل التواطؤ المفضوح أن قالت جولييت دي ريفيرو المسؤولة في هيومن رايتس ووتش في جنيف "نحن نشاطر واشنطن مخاوفها" من امكانية ان تستغل بعض الحكومات مؤتمر الامم المتحدة بهدف "مهاجمة اسرائيل" او الترويج للفكرة القائلة بأن حماية الاديان تأتي قبل حقوق الانسان هكذا قالتها التى من المفترض أن تكون أول راعية لحقوق الإنسان ومدافعة عن ضحايا جرائم التمييزو العنصرية والإرهاب والوحشية . وكانت واشنطن قد أكدت انها ستقاطع المنتدى بسبب "توجه المنتدى المعادي لاسرائيل وتحفظه على حرية التعبير..إلى هذا الحد يلتقى هذان الهدفان ويشكلان منطلقا لفلسفة التغيير الأمريكية المزيفة .ولعل كلمة الرئيس الإيرانى أحمدى نجاد وردود الفعل الغربية عليها لهى  خير دليل على التنسيق المسبق من الغرب كافة والولايات المتحدة بحماية إسرائيل وإبقاء حالة الضغط والقهر مستمرة على العرب والمسلمين ولعل حرب الإبادة على الأبرياء فى غزة وغض الطرف عن الممارسات الوحشية الإسرائيلية دليل فاضح على التواطؤ الأمريغربى والعنصرية الفجة والظلم الذى لا يختلف عليه إثنان ..

  لم يأت البيان الختامى للمؤتمر بالحد الأدنى من طموحات المسلمين والعرب ودول عدم الإنحياز ولم يذكر أى إدانة واضحة لممارسات إسرائيل الوحشية ضد المدنيين الآمنين فى غزة وقصفهم بالقنابل المحرمة دوليا ولا الممارسات اليومية الدموية ضد كل من - أو ما - هو فلسطينى على الأرض المباركة رغم أن هذه الممارسات طالت بعض مؤسسات الأمم المتحدة نفسها ..  كما لم يأت أى ذكر لإدانة الإساءة للأديان ولاإعتبار ذلك شكلا فاضحا من أشكال العنصرية والتمييز وهى للأسف الأسباب الحقيقية التى من أجلها عقد المؤتمر ..
وفى قراءة متأنية لهذا الحدث البالغ الدلالة على معان كثيرة كادت تمر مرور الكرام على الكثيرين منا وجدتنى اتوقف عند نقاط أو ركائز أساسية  ...
أولا: عقد المؤتمر الأول فى جنوب أفريقيا فى الفترة بين 31 اغسطس والثامن من سبتمبر 2001 ضم اكثر من 160 دولة والاف المنظمات غير الحكومية اي ما مجموعه اكثر من 18 الف شخص، وتحول الى "ازمة سياسية دولية خطيرة" بحسب المراقبين   فقد حدث أنه قبل بدء المؤتمر شنت المنظمات غير الحكومية هجمات عنيفة على اسرائيل. وفي الثالث من سبتمبر انسحبت الولايات المتحدة واسرائيل من المؤتمر بعد ان صدمتا لمحاولات بعض الدول مقارنة الصهيونية بالعنصرية. اما النقاشات حول تعويضات عن العبودية فلم تفض الى نتيجة. ورغم ذلك فقد  ادى المؤتمر الى تبني بالاجماع اعلان وبرنامج عمل يحدد اول استراتيجية عالمية ضد العنصرية.وتمخض المؤتمر لأول مرة عن قرار واضح وصريح يصف إسرائيل بالكيان العنصرى ويفضح ممارساتها بشكل علنى .. صحيح أن هجمات الحادى عشر من سبتمبر قد تلت ذلك بأيام قلائل وأعطت ذريعة للقوة الأوحد فى العالم بأن تمارس العنصرية الحقيقية حين صنفت سكان الكرة الأرضية إلى فسطاطين (...) إما معنا ومن ليس معنا فهو مع الإرهاب حسبما قالها حكيم زمانه بوش  وكانت هناك الكثير من الانحرافات التي تلَـت أحداث 11 سبتمبر، وخاصة ما يتعلّـق بتصنيف البشر حسب الانتماء العِـرقي والديني وفى تلك الأجواء  ظهرت الرسوم المسيئة للمرة الأولى فى الدنمارك فى موجة عنصرية كانت بعيدة كل البعد عن المجتمع الدنمركى المتحضر والمسالم ثم تلتها موجات مشابهة فى دول أوروبية أخرى فى موجة عنصرية عالمية تماشت مع الهجوم على الإسلام بدعوى محاربة الأرهاب بل إن كلمة الإرهاب إقترنت بالأسلام فى وسائل الإعلام الغربية فى تناغم بدا واضحا بدعوى حرية التعبير ..
ورغم ذلك كان أمام الدول الإسلامية متسعا من الوقت لترتب أولوياتها وتستغل الظرف الدولى الذى أدان إسرائيل لأول مرة ووصفها بالكيان العنصرى (فى مؤتمر جنوب إفريقيا ) غير أن الولايات المتحدة إنهمكت فى إشغال العالم الإسلامى والعربى بأكاذيب دولة عن أسلحة دمار شامل ثم إختلاق مصطلح محاربة الأرهاب لتعيس فسادا فى الأرض وتحتل دولا أعضاء فى منطمة الأمم المتحدة على مسمع ومرأى من الدنيا كلها ثم تمارس أفظع الجرائم فى قتل المسلمين وتعذيبهم فى سجون لن ينساها  التاريخ ..ورغم ذلك فقد مرت سنوات  كانت كفيلة بالحد الأدنى من التنسيق غير أن أسباب عديدة أدت إلى ضعف وشرزمة العالمين الإسلامى والعربى ( لعل واحد من أهم هذه الأسباب هو إتفاقيات كامب ديفيد التى شقت الصفوف وأصلت لضعف عربى وإسلامى عام ) وحالت دون الحد الأدنى من توحيد المواقف أو التنسيق وبدلا من ذلك سارت كل دولة كالشاة النائية عن القطيع فسهلت مهمة الذئب المتربص للإنقضاض عليها ..
ثانيا : بعيدا عما يدور فى ساحات العالمين العربى والإسلامى والإخفاقات المستمرة فى الوصول لأى إصلاح حقيقى سياسى أو إقتصادى أو إجتماعى وقل ماشئت فى كل أوجه الحياة  ..نأتى لساحتنا الأوربية عموما والدانمركية على وجه الخصوص حيث نغصت حياتنا موجات الرسوم المسيئة وتنامت روح العداء للإسلام بأسم حرية التعبير  ..
لماذا شعرنافى الدنمارك بكل هذه المرارة ؟ الأجابة ببساطة لأننا كنا ننعم فى المجتمع الدانمركى بأفضل تناغم بين مكونات مجتمع ربما على ظهر الأرض وأعتقد أن قولى هذا ليس فيه من المبالغة بل هو إقرار لحقيقة ولى زمانها ..
حاولنا بالمتاح لدينا أن نرأب الصدع  ومددنا أيدينا مرات عديدة وفى المقابل تعنتت القلة المكابرة من هذا المجتمع والتى صورت لها أوهامها أن ذلك من حرية التعبير وتمادت فى غيها وتأصل شرخ حقيقى فى بنية هذا المجتمع
كانت ذروة العمل الجاد لمعالجة هذا الخلل تحت قيادة شيخنا الفاضل يرحمه الله –أحمد أبو لبن – الذى كان مثلا قل نظيره فى هذا الزمان فى الإخلاص فى العمل وصدق النية مع الله سبحانه وتعالى ودماثة خلقه وغزارة علمه وفقهه لكنه فى النهاية بشر وكان لابد له أن يغادر ويسبقنا ألى المحطة التالية .. لكنه تركنا فى وقت كنا أحوج مانكون له وبكل شجاعة اقولها فقدنا برحيله الكثيروالكثير جدا  ..وتقاسم الكعكة من بعده كثيرون ممن كان للدنيا الحظ الأوفر فى قلوبهم .. .وغابت عنا بوصلة تحديد مسار العمل وحتى المسئولون فى الدنمارك ترحموا عليه حين لم يجدوا له بديلا يستطيعون الرجوع إليه والتعامل معه كصوت معبر عن أغلبية المسلمين ..
المهم أننا بعد أزمة الرسومات أصبحنا أصحاب قضية ملحة على الساحة الدانمركية بل والعالمية .. وأصبح السجال بيننا وبين البعض من كتاب ومثقفى المجتمع الدانمركى وهم يرفعون يافطة حرية التعبير بالمعنى الذى يفهموه هم وهو حق يراد به باطل بينما نرفع نحن شعار نعم لحرية التعبير المسئولة نعم للإحترام المتبادل بين أبناء المجتمع الواحد نعم لإحترام المقدسات ..
وكانت فرصة رائعة فى مؤتمر حقوق الإنسان دربن2 لتوضيح وجهة نظرنا وللحصول على تعهد دولى بحماية حقوقنا .. لكننا تقاعسنا –كالعادة- وضيعنا الفرصة ولم نشارك ولم نكن فاعلين وكانت هناك فرصة للجمعيات والمؤسسات غير الحكومية التى شاركت فى مجموعها إشتراكا باهتا.. لكن مايعنينى هنا هو دورنا نحن الذى قلصناه فى رصد ماقاله هذا أو ذاك الصحفى أو البرلمانى فى أمور جلها إن لم تكن كلها محلية ونسينا الدوائر الدولية الأوسع وإنكفأنا على الداخل وتناسينا الخارج نظرنا تحت أرجلنا وغابت عنا الرؤيا الإستراتيجية فى العمل والنتيجة أننا تركنا من يساجلونا يعملون على الساحة العالمية بأريحية مطلقة وهكذا حققوا ما أرادوا فلم يصدر أى قرار يؤويد حقنا المشروع فى حماية المقدسات من عبث المهوسين بحرية التعبير المطلقة وغير المسئولة .. والعتاب هنا فى مجمله على المؤسسات الفاعلة والقادرة على العمل لكنها تفتقد الرؤيا الإستراتيجة فلعل هذه الملاحظات تجعلنا نستيقظ ونفكر ونخطط لأبعد من تحت أقامنا..ولعل فى مسيرة ألصهاينة عبرة لمن يعتبر.. لكن كيف وهم على باطل ونحن على حق .. كيف خططوا ونفذا ونحن لاخططنا ولا نفذنا بل إنكفأنا ننظر تحت أقدامنا وبقينا محلك سر والعالم من حولنا يسير بخطى واسعة ..(بسم الله الرحمن الرحيم ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين  صدق الله العظيم )
  اللهم هل بلغت اللهم فاشهد ..
بقلم أحمد حربى

مواضيع ذات صلة