نشرت وكالة وفا قبل عدة أيام تقرير حول الانتخابات الدنماركية والقضية الفلسطينية جاء فيه:

بعد أيام قليلة من بدء الحملة الانتخابية في الدنمارك دخل الموضوع الفلسطيني بشكل مفاجئ على هذه الانتخابات، وأصبح موضوع الاعتراف بالدولة الفلسطينية من عدمه مثار نقاش ساخن بين المرشحين ومقياساً لطبيعة السياسة الخارجية التي ستتبعها الدنمارك بعد الخامس عشر من أيلول الجاري موعد إجراء الانتخابات في الدنمرك.

وقالت مصادر، بهذا الخصوص، أن نتائج الانتخابات ستكشف عن طبيعة السياسة الخارجية للدنمارك خلال الأربع سنوات القادمة.

لا أحد يعرف كيف دخل الموضوع الفلسطيني على الخط بهذه القوة، لكن المنظمات والجمعيات المناصرة للفلسطينيين ومؤيدي القضية الفلسطينية في الدنمارك كانوا قد تعمدوا طرح سؤال الاعتراف بالدولة الفلسطينية على المرشحين أثناء جولاتهم وتجمعاتهم الانتخابية وذلك لقياس الإجابة على مدى انحياز المرشح للمبادئ المتعلقة بحق الشعوب في الحرية والاستقلال وتقرير المصير وخاصة في ظل تغني معظم السياسيين في الدنمارك بهذه المبادئ أثناء تسابقهم لإعلان دعمهم للثورات العربية، وفي المقابل فإن المؤيدين لإسرائيل،على قلتهم لكنهم يتمتعون بنفوذ قوي خصوصاً في الإعلام، قد تعمدوا أيضا إثارة هذا السؤال لقياس مدى حرص المرشح على العلاقة مع إسرائيل وثباتها وعدم استعداده للمغامرة بسياسة خارجية جديدة للدنمارك غير مضمونة النتائج حتى لو كان ذلك ينطوي على ازدواجية في المعايير.

أحزاب المعارضة والتي تضم الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب الشعب الاشتراكي والحزب الاشتراكي الليبرالي، قدمت من جهتها رؤيتها حول السياسية الخارجية للدنمارك والتي ستسعى لتطبيقها إذا فازت في الانتخابات حيث أكدت على أنها ستقوم بتغيير جذري في السياسية الخارجية التي تتبعها حكومات يمين الوسط منذ عام 2001، وأوضحت أنها ستعمل على دعم قيام دولة فلسطينية مستقلة تعيش جنبا إلى جنب بسلام مع إسرائيل، وقالت أنها ستعمل على بلورة موقف أوروبي موحد من الصراع العربي الإسرائيلي، وشددت على أهمية أن تكون السياسية الخارجية للدنمارك "حكيمة".

ومن أكثر تصريحات المعارضة التي أثارت ردود فعل كان تصريح "فيلي سوندال" زعيم حزب الشعب الاشتراكي ومرشح المعارضة لمنصب وزير الخارجية الذي قال فيه "أنه من الضروري الاعتراف بالدولة الفلسطينية. وعندما يحدث ذلك في الأمم المتحدة فهي خطوة بديهية. نستطيع أن نرى كذلك دول عديدة أخرى ستعترف بالدولة الفلسطينية. كما أضاف سوندال بأنه مستعد للعمل مع دول أخرى في الاتحاد الأوروبي من أجل الانضمام إلى عملية الاعتراف في الأمم المتحدة". – وفقا لصحيفة البوليتيكن الدنماركية-.

كذلك كان "يبيه كوفود" مسؤول العلاقات الخارجية في الحزب الاشتراكي الديمقراطي واضحاً عندما قال لصحيفة بيرلينسكه "إننا نؤمن منذ سنوات بأن الفلسطينيين يحق لهم دولة، فعندما يتوجهوا إلى دول العالم ليطلبوا منهم الاعتراف بالدولة الفلسطينية فيجب أن نفعل ذلك". أما وزير الخارجية الأسبق "موينز ليكيتوفت" والذي ينتمي إلى نفس الحزب فقد ذهب إلى أقصى درجات التحدي عندما حاول مذيع قناة "تي في 2" الإخبارية إحراجه بسؤال ماذا ستفعل الدنمارك في حال لم يصوت في مجلس الأمن سوى روسيا والصين لصالح قرار الاعتراف فأجاب سنصوت "بنعم".

"ميته أنيلي" المرشحة عن الحزب الليبرالي الاشتراكي، ثالث أحزاب المعارضة، قالت في إحدى المناظرات الانتخابية حول السياسة الخارجية بأننا "يجب أن نعمل على موقف أوروبي موحد لكننا يجب أن نصوت بنعم في جميع الأحوال" مما ينسجم أيضا مع موقف رئيسة الحزب "مارغريت فيسترجارد".

أما أحزاب التحالف الحكومي والتي تضم الحزب الليبرالي وحزب المحافظين وحزب الشعب الدنماركي وعلى الرغم من تباين المواقف داخلها من قضية الاعتراف بالدولة الفلسطينية إلا أنها تجمع، على الأقل خلال الحملة الانتخابية، على موقف لا يحبذ الاعتراف بالدولة الفلسطينية من منطلقات مختلفة.

 وزيرة الخارجية مثلا - لينه اسبرسن- والتي تنتمي إلى حزب المحافظين قالت في تصريح لها نقلته صحيفة 'كريستليت داغ بلاوديت' بأنها تخشى على سياسة الدنمارك الخارجية إذا ما جاءت حكومة يسارية معارضة.

وقد عللت لينه اسبرسن مخاوفها بأن العالم على وشك  حدث مهم وهو التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة على الاعتراف بدولة فلسطين، وأضافت بأنه من المعروف أن المعارضة تتبني فكرة الاعتراف بدولة فلسطينية، وأبدت مخاوفها من أن يؤدي اعتراف الدنمارك بفلسطين إلى وجود سياسة غير متوازنة تجاه الشرق الأوسط، وأن الدنمارك بهذا الشكل تدير ظهرها لإسرائيل. وقالت أنه من الأفضل أن تنسق الدنمارك مع باقي دول الاتحاد الأوروبي على سياسة موحدة، وألا تسعى إلى التصرف بمفردها.

كذلك قال مسؤول العلاقات الخارجية في الحزب الليبرالي 'ميشائيل أستروب ينسن'  لصحيفة 'بيرلينسكه' في تعليقه على أن المعارضة تريد الاعتراف بدولة فلسطينية إذا استلمت الحكم "إن المعارضة تلعب بالنار".

أما حزب الشعب الدنمركي والذي يعتبر من الأحزاب اليمينية المتطرفة فموقفه الذي لا يختلف كثيراً عن موقف اليمين الإسرائيلي واضح ولخصه مرشحه "كينيث كريستينسن بيرث" الذي خاطب السفير الفلسطيني في الدنمارك عمرو الحوراني عبر صفحات جريدة 'يولاندس بوستن' في رده على مقالة للسفير يطالب فيها الدنمارك بالاعتراف بالدولة الفلسطينية حيث قال "إذا أردت من الدنمارك أن تأخذ الاعتراف بالدولة الفلسطينية بعين الاعتبار فيجب عليكم في السلطة الفلسطينية تحقيق ثلاثة شروط: 1- الاعتراف بإسرائيل. 2- وقف تشويه صورة اليهود. 3- وقف تمجيد الإرهاب.

حتى الآن تتفوق أحزاب المعارضة وفق استطلاعات الرأي التي تنشر بشكل يومي وأقل هذه الاستطلاعات كان يعطي 5 مقاعد فارق لصالح المعارضة 90 إلى 85 من أصل 175 مقعد (هناك أربعة مقاعد إضافية في البرلمان، اثنان لكل من جزيرة غرينلاند ومجموعة جزر الفاروس التي تتبع الدنمارك بحيث يصبح إجمالي مقاعد البرلمان 179 مقعداً.

وبغض النظر عن نتيجة الانتخابات التي ستجري بعد عدة أيام في الخامس عشر من هذا الشهر فلاشك أن استحقاق أيلول الانتخابي الدنماركي سيلعب دوراً في استحقاق أيلول الفلسطيني في الأمم المتحدة، على الأقل من ناحية تحديد موقف الدنمارك من هذا الاستحقاق ودورها القادم في الموضوع الفلسطيني والشرق الأوسط، خصوصاً وأن الدنمارك ستتسلم رئاسة الاتحاد الأوروبي في بداية العام القادم بعد أقل من أربعة أشهر.

الحقيقة الأخرى التي تتجلى هنا هي أن المسعى الفلسطيني بدأ يؤتي نتائجه حتى قبل التوجه إلى الأمم المتحدة، فقبل عدة أسابيع لم يكن ليخطر على بال أحد أن تكون القضية الفلسطينية عبر مسعى الاعتراف بالدولة الفلسطينية موضوعاً هاماً في الانتخابات الدنماركية.

المصدر: وكالة وفا