هل الدنماركيون أسعد شعوب العالم لأن عددهم قليل (ستة ملايين شخص فقط)؟ أم لأن بلدهم صغير (16000 ميل مربع فقط، مساحة ولاية ميريلاند الأميركية)؟ أم لأن بلدهم يتكون من أربعمائة جزيرة، مما يساعد على الحياة الفردية والاستقلالية؟

لكن السكان أقل في دول كثيرة، مثل: لبنان، جمهورية أفريقيا الوسطي، جمهورية الكونغو. والمساحة أقل في دول كثيرة، مثل: أرمينيا، بوروندي، رواندا. وعدد الجزر أكثر في دول كثيرة، مثل: إندونيسيا (18 ألف جزيرة) والفلبين (7 آلاف جزيرة).

يبدو أن المرشد السياحي الدنماركي «كريستيان» كان يعرف أن مجموعة السياح الأميركيين سيسألونه عن سر الدنمارك في أن تكون أسعد دولة في العالم. ويبدو أنه كان يعرف أنه لن يجب إجابة مباشرة، لعدة أسباب: أولا لأن السياح ضيوف، وهو يريد احترامهم بدلا عن الاستعلاء عليهم. ثانيا لأن الموضوع حساس. ثالثا لأن كلمة «سعادة» ليست محددة.

وبطريقة دبلوماسية، يبدو أنه تعود عليها مع السياح الأجانب، قال «كريستيان»: «نحن لا نسميها (هابينيس - سعادة). نحن نسميها (ساتيسفاكشون - رضا)».

وكأنه كان يعرف أن السياح الأميركيين لن يسألوه فقط، ولكن أيضا سيتحدونه. لهذا أحضر معه معلومات عن الدنمارك، ومعها قوائم من البنك الدولي ومنظمة التعاون والتنمية الأوروبية، وغيرهما، عن مكانة الدنمارك في قوائم الحرية، والمساواة، والشفافية، والسعادة (الرضا).

* «السعادة» أوضحت أغلبية القوائم أن الدنمارك، خلال السنوات العشر الأخيرة، كانت الأولى، وأن السعادة (الرضا) تقاس حسب العوامل الآتية: الصحة، التعليم، السكن، العمالة، المساواة، خدمات الحكومة، الدعم الاجتماعي. لكن يبدو أن أهم عامل هو سؤال كل شخص: «ما هو مدى رضائك عن حياتك؟».

تأتي مع الدنمارك في قائمة الدول العشر الأسعد في العالم، وفي كل سنة، جاراتها الدول الاسكندنافية (السويد، النرويج، فنلندا). وأيضا: هولندا، سويسرا، بلجيكا، أستراليا، كندا، النمسا، آيسلندا.

في سنة 2012 جاءت الولايات المتحدة في المرتبة الثانية عشرة، وبريطانيا العشرين. لكن في نفس السنة أوضح تقرير أصدرته جامعة لايكستر في بريطانيا عن نفس الموضوع أن ترتيب الولايات المتحدة هو العشرين. وترتيب بريطانيا الأربعين. وفي أسفل هذه القوائم عن السعادة تأتي كثير من الدول الأفريقية، مثل: بوروندي، زمبابوي، الكونغو.

خلال النقاش عن هذا الموضوع، والحافلة الأنيقة تطوف بالسياح الأميركيين شوارع كوبنهاغن، لاحظ واحد أن دولة بهوتان الصغيرة (في جبال الهملايا) تأتي في أعلى قائمة السعادة. رغم أنها فقيرة، ورغم أن حاكمها ملك ديكتاتوري.

هذه المرة، اتفق الدنماركي والأميركيون على أن تفسير كلمة «السعادة» يعتمد على مدى وعي الشعوب. كلما زاد الوعي زاد فهم الشعوب للصورة الكبيرة للأشياء، ومنها السعادة. وكما قال أميركي: «الذي لا يعرف الحرية، لا يعرف السعادة التي تسببها له».

* «المساواة» لكن اختلف الدنماركي والأميركيون خلال النقاش حول كلمة «المساواة».

في قائمة الإنتاج القومي جاءت الولايات المتحدة في مقدمة الدول: 15 تريليون دولار سنويا. وكانت الدنمارك أقل من تريليون. وفي قائمة متوسط دخل الشخص سنويا تساوت الدولتان تقريبا: 50 - 60 ألف دولار سنويا. لكن في قائمة «المساواة» تفوق الدنماركيون على الأميركيين: 25 في المائة مقابل 50 في المائة.

تعنى «المساواة» هنا الفرق بين الأقل دخلا والأعلى دخلا. وصار واضحا أن الفرق أقل في الدنمارك. لكن لم يعجب هذا بعض السياح الأميركيين. وكعادة كثير من الأميركيين، لم يرضوا أن يتفوق شعب عليهم.

لكن كان «كريستيان» مستعدا، وأشار إلى معلومات عن نسبة دخل الشخص الذي يصرف على الترفيه (أعلى في الدنمارك). ونسبة ساعات العمل إلى ساعات الإجازات (أعلى في الدنمارك). ونسبة الجريمة (أعلى كثيرا في الولايات المتحدة). ونسبة ديون الحكومة إلى الدخل القومي (أعلى كثيرا في الولايات المتحدة). ونسبة زوار العيادات النفسية (أعلى كثيرا في الولايات المتحدة).

وأشار «كريستيان» إلى أن النرويج، جارة الدنمارك، أحسن منها لأنها ليست مديونة أبدا (بسبب ثروة النفط).

* فرص الاستثمار حسب تقرير آخر للبنك الدولي، الدنمارك هي الأولى في العالم في فرص الاستثمار. ليس لأن فيها نفطا أو مصانع صلب أو سوق أوراق مالية مثل نيويورك، ولكن لثلاثة أسباب رئيسة:

أولا: الأعلى في مؤهلات السكان (الأكثر تعليما في العالم).

ثالثا: الأكثر تسامحا (الأكثر تأدبا، وأمنا، ورضا، واستقرارا نفسيا).

ثالثا: الأقل في البيروقراطية (الأقل في قوانين الاستثمار).

رابعا: الأولى في العالم في قلة الفساد (حسب أرقام منظمة الشفافية الدولية في ألمانيا).

وحسب مجلة «تايم» الأميركية، قبل سنوات قليلة، أعلنت شركة «لوغو» الدنماركية (التي تنتج مكعبات صغيرة يصنع منها الصغار والكبار منازل وسيارات وأناسا) أنها ستنقل جزءا من مصانعها إلى المكسيك، حيث تكاليف العمالة أرخص. في أي بلد آخر، يسبب هذا مظاهرات اتحادات نقابات العمال. لكن قال بول بيدرسون، رئيس نقابة عمال المصنع: «من ألف عامل في المصنع سيبقى ثلاثمائة فقط. هذا أفضل من إغلاق المصنع نهائيا». وأضاف: «نحن لسنا ضد الشركة. ولا نمانع إذا كانت سياستها هي الرخاء لها، والرخاء لنا». وأضاف في مثالية نادرة: «توجد محاسن لنقل مصانع من دول غنية إلى دول فقيرة. سيرتفع مستوى المعيشة في الدول الفقيرة. وستنمو الطبقة الوسطى. وستريد شراء مزيد من (لوغو)، وأشياء أخرى من الدنمارك، مثل الألبان والأجبان».

وحسب نتائج استطلاع نشرته مجلة «تايم»، قالت نسبة ثمانين في المائة من الدنماركيين إن العولمة أفضل للدنمارك وللعالم. وهكذا، مرة أخرى، حقق الدنماركيون قصب السبق على الشعوب الأخرى التي يبدو أنها اتفقت على لعن العولمة، إن لم يكن على اعتبارها شيطانا.

* متنزه «تيفولي» بعد منتصف النهار، وقفت حافلة السياح الأميركيين أمام متنزه «تيفولي» في قلب العاصمة كوبنهاغن. لم تكن زيارة المتنزه في البرنامج. لكنه غداء في مطعم مجاور، متخصص في ساندويتشات «سمورغسبورد» (قطعة خبز مسطحة وعليها لحوم وخضراوات).

أثناء الغداء دار نقاش آخر بين الدنماركي والأميركيين. هذه المرة يبدو أن الدنماركي تعمد، في دبلوماسية ومرح، إثارة الأميركيين عندما تحدث عن متنزه «تيفولي». قال إنه مثل، وليس مثل، متنزه «ديزني» الأميركي. وسأل: متى بنى متنزه «ديزني»؟ وأجاب أميركي في دقة: «ديزني لاند»، في ولاية كاليفورنيا، سنة 1955. و«ديزني ويرلد»، في ولاية فلوريدا، سنة 1971.

وقال الدنماركي، وهو يشير إلى متنزه «تيفولي»: «نحن بنينا هذا سنة 1843». وأضاف، ويبدو أنه يعرف كثيرا عن تاريخ أميركا: «بنيناه عندما كنتم في خضم حرب أهلية».

ثم دار الحديث، ووصل إلى ساندويتشات «سمورغسبورد» التي كان الأميركيون يأكلونها. وأغلبيتهم لأول مرة. ومرة أخرى سألهم: «متى وصل (سمورغسبورد) إلى أميركا؟»، وترددوا في الإجابة. وقال، في تأكيد، ولا بد أنه كان مرشدا سياحيا لأفواج كبيرة من السياح الأميركيين قبل هذا الفوج: «في سنة 1939، في معرض نيويورك العالمي».

وصحح معلوماتهم، وقال إن هذا الساندويتش أصله من السويد، وإن الكلمة لا تعنى ساندويتش، ولكن تعنى مائدة كاملة عليها مختلف أنواع اللحوم والخضراوات والأجبان الباردة.

وألقى أميركي محاضرة عن كلمة «ساندويتش»، وقال إن أصلها بريطاني، وتعود إلى «دوق أوف ساندويتش» الذي كان، في القرن التاسع عشر، حاكما لمنطقة ساندويتش في مقاطعة كِنت في بريطانيا. وإن الدوق طلب يوما من خادمه طعاما يأكله وهو على عجل ليخرج من المنزل. ووضع الخادم قطعة لحم بين قطعتي خبز. وصار الناس يقولون «طعام ساندويتش».

استمع الدنماركي في انتباه إلى هذا الشرح المفصل. وقال: «إذا أكل البريطانيون الساندويتش في القرن التاسع عشر، فنحن كنا نأكل (سمورغسبورد) منذ القرن التاسع».

* صغيرة لكنها قديمة لهذا، يبدو أن السؤال الأول عن سر «سعادة» الدنماركيين هو أن لها تاريخا قديما جدا، رغم صغر حجم بلدهم وقلة عدد سكانها، وأن تفوقها في مجال «السعادة» جاء بعد تفوقها في مجالات أخرى، مثل الاستقلال والحرية والعدالة والعمل الشاق والإبداع والترفيه.

لهذا يتفوق الدنماركيون على غيرهم في مجالات كثيرة، خصوصا وسط الدول الغربية، وخصوصا بالنسبة للأميركيين.

مثلا: نالت الولايات المتحدة الاستقلال من بريطانيا (القرن الـ18)، لكن الدنمارك أقدم (القرن الـ10). في ذلك الوقت توحدت إمارات دنماركية صغيرة، وكونت الدنمارك.

وقبل اكتشاف أميركا بخمسمائة سنة، كانت الدنمارك دولة تهزم جاراتها، وتهزمها جاراتها. وقبل اكتشاف أميركا بمائة سنة، وصل الدنماركيون إلى الهند، وأسسوا مستعمرة صغيرة (القرن الـ15). وبعد اكتشاف أميركا بمائتي سنة، وصل الدنماركيون إلى البحر الكاريبي، واستعمروا جزر «فيرجين» (القرن الـ17). وبعد استقلال الولايات المتحدة بمائتي سنة، اشترت الجزر من الدنمارك (القرن الـ20).

ورغم الفروقات الكبيرة بين الولايات المتحدة العملاقة والدنمارك الصغيرة، يستمر نوع من التفوق الدنماركي: سبقوا الأميركيين في منح المرأة حق التصويت. وسبقوهم في الحقوق المدنية (طبعا لم يستعبدوا زنوجا). وسبقوهم في نظافة البيئة (اتفاقية كيوتو). وسبقوهم الاستغناء عن السيارات داخل المدن (أربعين في المائة من سكان كوبنهاغن يستعملون دراجات). وسبقوهم في الاعتراف بحقوق المثليين (منذ أكثر من عشرين سنة). ومؤخرا، أعلنت الكنيسة الدنماركية (كنيسة العائلة المالكة) أنها ستجيز زواج المثليين والمثليات. ولم تصل الكنائس الأميركية الرئيسة إلى هذه المرحلة.

* مطعم «نوما» وسبقوهم بمطعم «نوما» (اختصار «نورديك ماد»، طعام الشمال) في كوبنهاغن. هذا هو أحسن مطعم في العالم لثلاث سنوات متتالية. في عام 2012 وضعت مجلة «تايم» الأميركية رينيه ريدزيبي، كبير الطباخين فيه، على غلافها، كواحد من أشهر مائة شخص في العالم.

مرت حافلة السياح الأميركيين أمام المطعم، وبدا من الخارج عاديا، بل أقل من عادي، وفي مبنى أقل من عادي. ويقع في منطقة فيها مخازن ومصانع قديمة. لكن كانت فرصة أخرى للمرشد السياحي «كريستيان» ليفتخر بوطنه أمام السياح الأميركيين. وبدأ بأن حذرهم بأن المطعم غالٍ، وأن الوجبة الواحدة تكلف ثلاثمائة دولار، دون مشروبات كحولية، ولا بد أن يحجز الشخص قبل شهور وشهور. ولا يطعم المطعم أكثر من أربعين شخصا كل عشاء، وخمسين كل غداء.

أساس أنواع الطعام هنا هي مائدة «سمورغسبورد» الاسكندينافية، وهي تمرد على طعام «ميديترنيان» (البحر الأبيض المتوسط) الذي صار، خلال العشرين سنة الماضية، الموضة الجديدة في المطاعم الراقية. والذي يعتمد على أشياء مثل: زيت الزيتون، والطماطم الحمراء المجففة، واللحوم والخضراوات المشوية.

* أشهر وجبتين في مطعم «نوما»:

أولا: «دجاج وبيضة» لكنهما في الحقيقة بيضة مقلية وزهور برية وأعشاب البحر وزيت أعشاب البحر وقطعة لحم دجاج.

ثانيا: نمل مثلج مع سلطة وخضراوات مثلجة.

* «الجنة» ليست جنة بعد نهاية زيارة الدنمارك بفترة، أرسل لي واحد من مجموعة السياح الأميركيين معلومات سلبية عن الدنمارك، وقال إنه جمعها من الإنترنت، وإنه فعل ذلك بسبب «بطولات المرشد السياحي الدنماركي». وتحت عنوان «الجنة ليست جنة»، أرسل المعلومات الآتية:

أولا: نسبة الانتحار في جزيرة غرينلاند، التابعة للدنمارك، هي الأعلى في العالم. بمعدل مائة من كل مائة ألف. وتأتي الدنمارك نفسها في أعلى القائمة.

ثانيا: يمكن الجدل في أن جزيرة غرينلاند ليست «تابعة» للدنمارك، ولكنها «مستعمرة» دنماركية.

ثالثا: رغم أن في الدنمارك مطعم «نوما» أحسن مطعم في العالم، لكنه «مطعم للأغنياء»، بينما مطاعم ساندويتشات «ماكدونالد» في كل العالم، وهي «مطاعم شعبية»، عشرون ألفا في الولايات المتحدة، ومائة في الدنمارك نفسها.

رابعا: رغم «عار تجارة الرقيق، وماضي التفرقة العنصرية في الولايات المتحدة»، في الوقت الحاضر صارت للتنوع العرقي فيها محاسن كثيرة، وصارت نموذجا لدول أخرى، خصوصا بعد أن صار أوباما الأسود رئيسا. في الجانب الآخر، لا تواجه الدنمارك (ودول كثيرة) تحدي التنوع. وحسب إحصائيات نشرت مؤخرا، نسبة التنوع العرقي والإثني هي الأقل في كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية واليابان (أقل من واحد). وهي خمسون في الولايات المتحدة، لكنها نصف ذلك في الدنمارك. ولم يحدث هذا في الدنمارك إلا مؤخرا، بسبب الهجرة من شرق أوروبا، ومن الشرق الأوسط وأفريقيا. ورغم قلة نسبة هؤلاء، بدأت مظاهراتهم واحتجاجاتهم بسبب عدم مساواتهم (وأيضا تشهد السويد والنرويج نفس احتجاجات المهاجرين غير البيض).

خامسا: رغم أنه ينتقد كتاب «العلاقة بين الذكاء والحضارة»، وفيه مقارنة بين نسبة الذكاء ودرجة التطور في أكثر من مائة دولة، قال: «ليس الدنماركيون أذكى شعب في العالم». جاء الأوائل من آسيا: هونغ كونغ، كوريا الجنوبية، اليابان، تايوان، سنغافوة. حتى وسط الدول الأوروبية، جاءت في المقدمة: ألمانيا، النمسا، السويد، هولندا، سويسرا. وجاءت الدنمارك في المرتبة العشرين.

المصدر: الشرق الأوسط 

مواضيع ذات صلة