خلال خمسة عشر يوما من الحرب المدمرة على غزة، والإنتهاكات الوحشية على البشر والحجر والمدر، بقيت خلالها ـ كما هي حال الملايين في أنحاء العالم ـ  مسمرا أمام شاشات الفضائيات وما تنقله من فظائع. وهي مهما نقلت فلن تستطيع أن تغطي كل الحقيقة إنما نبذة عنها، فالحقيقة أمر وأفظع  بكثير من الصور. شاركت في التجمعات والمظاهرات والاعتصامات لكن كل ذلك لم يصل إلى الآذان الصماء ولم يكن ليرقى ليقنعني بأني قدمت شيئا لإخواني وأخواتي في غزة العزة ولم يكن ليشفي القلب من الشوق إلى أولئك الأحبة الأفذاذ في صمودهم، العظماء في ثباتهم، الفريدون في تضحياتهم وفدائهم ودفاعهم عن شرف أمتهم ووطنهم، وعقيدتهم ودينهم. فكان لابد من العزم وتلبية النفير كما قال تعالى " إنفروا خفافا وثقالا ". فهو نداء الشرف ، نداء التضحية، ونداء الواجب.
أكثر ماكان يؤلمني إضافة إلى مشاهد الضحايا هو شبه الإنعدام الكامل للطريقة الصحيحة لنقل المصابين، خاصة التي تتم من خلال المتطوعين العفويين والذين ـ جزاهم الله خيرا على جهدهم ـ لم يتلقوا أي تدريب على الإسعاف. فقلت لنفسي لقد وقعت علي الحجة فماذا أقول لربي غدا حين يسألني عن الجرحى الذين أراهم بأم عيني لماذا لم أتحرك وأسعفهم وأنا الأخصائي في جراحة العظام بل في تخصص الحوادث ؟؟
ماهو السبيل إلى الوصول؟؟!!
لكن ماهو السبيل؟؟ وكيف هو الطريق؟؟ والحصار خانق!! والمعابر مغلقة!! ولاسبيل إلى الوصول!!
إتحاد الأطباء العرب
باشرت بالاتصال برئيس إتحاد الأطباء العرب الأخ الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح لأسأله هل من سبيل إلى الدخول ـ ولم يكن المعبر قد فتح بعد لعبور الأطباء، فكان يجيبني في اتصالات متكررة بأنهم مازالوا يحاولون الدخول وينتظرون على معبر رفح.
سفينة الكرامة
ثم اتصلت بالإخوة الذين يسيرون رحلات سفينة الكرامة ـ فعلمت أنهم بصدد تسيير رحلة جديدة من لارنكا في قبرص إلى غزة في محاولة لكسر الحصار الخانق المفروض عليها وحينما اتصلت بهم أخبروني أن موعد إبحارها قريب ولم يكن لدي متسع من الوقت حتى أصل إلى لارنكا من كوبنهاجن ثم شاهدت تلك السفينة على قناة الجزيرة وقد صدمتها الزواق الحربية الإسرائيلية وحطمت واجهتها وانتهى بها المطاف إلى مدينة صور اللبنانية. لقد كدت أن أكون على متنها لولا أن الوقت قد فاتني ولم يعد هناك طيران يوصلني إلى لارنكا القبرصية من حيث تبحر السفينة.
 
فقلت لنفسي لقد وقعت علي الحجة فماذا أقول لربي غدا حين يسألني عن الجرحى الذين أراهم بأم عيني لماذا لم أتحرك وأسعفهم وأنا الأخصائي في جراحة العظام بل في تخصص الحوادث ؟؟
سفينة تركية لكسر الحصار
ثم تبادر إلى سمعي أن مجموعة من تركية بصدد تنظيم رحلة بحرية  بسفينة من إسطنبول إلى غزة لكسر الحصار وعلى متنها زملاء أطباء ومجموعة أدوية ومعدات طبية. فبادرت بالاتصال بالأخ الدكتور عامر الشوا لأستوضح منه عن حقيقة الأمر ولأرجوه أن يدرجني على قائمة الأطباء المتطوعين فوعدني خيرا لكنه أخبرني أن الأمر مازال قيد الإعداد والدراسة واتصلت به عدة مرات بشأن هذا الأمر وفي كل مرة كان يخبرني أن الأمر لم يتم بعد ومازال قيد الدراسة والإعداد وكان يؤكد لي أنني سأكون على رأس القائمة إذا تم الأمر .
وكنت من حين لآخر أعاود الإتصال بالأخ الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح رئيس إتحاد الأطباء العرب وأسأله فيما إذا استجد أي جديد في موضوع السماح للأطباء بعبور معبر رفح وكان يجيبني أن المحاولات قائمة على قدم وساق ونسأل الله التيسير لكن إلى الآن لاجديد . 
لقد جاوز عدد الشهداء الثمانمائة وطفح عدد الجرحى عن الثلاثة آلاف .وهذا بلا شك يفوق كثيرا الطاقة الإستيعابية لكل الطاقم الطبي المتواجد على ساحة القطاع الجريح بالرغم من أنه كان يعمل ليل نهار وبدأت أتضرع إلى الله سبحانه وتعالى أن يارب بلغني أرض العزة أداوي جراحات أهلها وأتشرف بخدمتهم .. وصرت أبكي وألح في الدعاء بالرغم من أنه لابصيص أمل في الأفق.
الاتصال بأهل غزة
وحتى أخفف من وطأة اليأس الذي كاد ينتابني بدأت أتصل بأهل غزة الصمود ـ بأرقام عشوائية أختارها بعد رقم فلسطين وغزة ـ  أثبتهم وأدعو لهم وأقول لهم أنتم على الحق فاثبتوا ، وأنتم تدفعون ثمن النصر فاصمدوا فيجيبونني أن لا تقلقوا علينا فنحن صامدون ثابتون على حقنا غير مبالين بعمق الجراح ولا آبهين بشدة الآلام  فكنت أبكي  من شدة تأثري بهذا الصمود وهذا الثبات الأسطوري وكان هذا يزيدني إصرارا على الوصول إلى أولئك الأبطال حتى أتشرف بمداواة جراحهم والحد من آلامهم وتخفيف معاناتهم .
تجمع الأطباء الفلسطينيين في أوروبا
اتصل بي الإخوة الأحبة في تجمع الأطباء الفلسطينيين في أوروبا وسألوني عما إذا كنت أريد الذهاب إلى غزة فرجوتهم أن يضعونني على رأس القائمة .ثم علمت بعدها أن الأخ الدكتور محمد أبو عرب  الأخصائي في التخدير والمقيم في النرويج قد سبقني إلى هناك ووصل فعلا إلى العريش لكنه بقي فترة ينتظر على المعبر وكنت دائم الإتصال به أثناء فترة انتظاره ـ لأستفسر منه عن أقصر طريق إلى غزة ـ وبقيت على ذلك إلى أن دخل غزة وأرسل لي رسالة من داخل غزة أنه قد وصل مجمع الشفاء فجدد الأمل في نفسي وأعطاني دفعة قوية إلى الأمام  وكان للأخ الدكتور محمد أبو عرب  فضل علي بأن أرشدني إلى المبادرة بالاتصال بالسفارة الدانمركية في القاهرة للحصول على تصريح يسهل عبور معبر رفح .فبادرت وأرسلت رسالة إلى السفارة الدانمركية في القاهرة وذكرت لهم ـ كما أخبرني الأخ الدكتور ـ أنني في طريقي إلى غزة وأنني بحاجة إلى هذا التصريح لأقوم بواجبي الإنساني تجاه العدد المتزايد في كل ساعة من الجرحى  وجلست أنتظر الجواب .
الصليب الأحمر الدانمركي
وبينما كنت أنتظر خطر ببالي أن أتصل بمنظمة الصليب الأحمر الدانمركي لأسألهم عن إمكانية إرسالي إلى قطاع غزة وفعلا اتصلت بهم وتم تحويلي من موظف إلى موظف وأخيرا أرسلت لهم رسالة مرفقة بسيرتي الذاتية الطبية CV  وانتظرت الجواب والغريب أن الجواب على رسالتي وصل بتاريخ  .13.02.2009 أي بعد عودتي من غزة وكانوا يريدون سيرتي الذاتية باللغة الإنكليزية حيث كنت قد أرسلتها باللغة الدانمركية ..!!!
أطباء بلا حدود
بعد ذلك اتصلت بمنظمة أطباء بلا حدود فأخبروني أنه لابد لي من عضوية لديهم فأجبتهم أن لامانع عندي من تسجيل عضوية ثم طلبوا مني إجراء دورات خاصة بجراحة الحروب فرحبت أيضا بذلك ثم قالوا أنهم سيرسلونني إلى المكان الدي يقدرون هم فيه أن الحاجة قائمة وليس حسب رغبتي وقد لايكون قطاع غزة عندها شكرتهم على تعاونهم !!! وأخبرتهم أن وجهتي الآن هي غزة وغزة فقط . وإلى اللقاء في الحلقة القادمة..