عندما علمت أن وفد الأطباء النرويجيين قد دخل قطاع غزة بادرت بالإتصال مرة أخرى بالأخ الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح رئيس اتحاد الأطباء العرب لأسأله فيما إذا كانت الأمور بدأت تتحلحل على معبر رفح فأكد لي ماعلمته من الأخ الدكتور أبو عرب أن الأطباء الذين يحملون جنسيات أوروبية  يمكن لهم أن يدخلوا معبر رفح إذا كانت لديهم تصاريح من سفارات بلادهم .

 

أهلي في سوريا يظنون أني في غزة

إتصل بي أخي الحبيب  زاهر من سوريا وأخي هذا لم أره منذ ثلاثين عاما فسألني ونبرة صوته ترتجف أخي أين أنت الآن ؟؟ فقلت له في البيت في الدانمرك فقال لي: لا..لا.. أنت في غزة وتخبيئ علينا !! فقلت له متعجبا ولمادا أخبئ عنك يا أخي؟؟  لكن لا أخفيك أنني أسعى جاهدا  أن أصل إلى غزة فدعا لي بالخير وهو يبكي ..

ثم اتصلت بي أختي أم عمر من سوريا أيضا وهي أيضا لم أرها منذ ثلاثين عاما وقالت لي أنها رأتني في الرؤيا في أرض خضراء قيل لها أنها غزة ثم سألتني أستحلفك بالله أين أنت ؟؟ وهي تظن كأخيها أنني في غزة  فأخبرتها أنني مازلت في الدانمرك إلا أنني أسعى جاهدا للوصول إلى غزة ـ ولعل هذا أصل رؤيتها فبكت وهي فخورة بي ودعت لي بالخيروالتوفيق. عندها إستبشرت خيرا .

 

لابد لي من إجازة من المستشفى الذي أعمل به

كان لا بد لي أن أبادر وأسعى لأحصل على ـ إجازة غير مدفوعةـ من القسم الذي أعمل به في المستشفى وبالرغم من ضيق الوقت وقلة عدد الأطباء في القسم  إلا أنني ـ وأسجل هنا ـ وجدت تفهما من إدارة القسم بل أنهم والكثير من زملائي شجعوني وتمنوا لي التوفيق في مهمتي الإنسانية وعودتي إليهم سالما تجلى هذا في الكمية الكبيرة من الرسائل الإلكترونية التي أرسلها لي زملائي الأطباء بعد أن أرسلت لهم رسالة أعتذر لهم فيها عن أن غيابي قد يتسبب لهم ببعض المتاعب خاصة وأن الكثير منهم قد نظم مع عائلته وأطفاله رحلة التزلج على الجليد كما يعتادون في موسم الشتاء.

ولكن كيف حصلت على الإجازة ؟؟؟

ولعل من أهم أسباب هذه السرعة في موافقة القسم على إجازتي هو نقاش طويل دار بينني وبين أحد مدراء القسم عن الحرب على غزة ودار على الشكل التالي وأسجله هنا لأنه يعكس جانبا من جوانب العقلية الدانمركية في التعامل مع القضية الفلسطينية .

بدأ الحديث في مكتبنا المشترك عن أوضاع القسم والمرضى ومنهم مصابون بطلقات نارية في حرب عصابات المخدرات ومنهم مسلمين مع عصابات دانمركية وأبدى الرجل كما ابديت امتعاضنا من أن حوادث إطلاق النار أصبحت تهدد أمن المواطن العادي حيث تدور في كثير من الأحيان في وضح النهار وفي وسط المدينة وقد أدت إلى وقوع عدد من الضحايا الأبرياء .

ولان غزة كانت تسيطر على تفكيري وعقلي إنتقلت معه بطريقة ذكية إلى الحديث عنها قائلا له : إذا استمر الوضع هكذا في كوبنهاجن فسيصبح عدد الضحايا فيها  مثل عددهم في غزة .. هل تعلم يادكتور أنه قد بلغ عدد الضحايا في غزة حتى الآن ـ تلك اللحظة ـ أكثر من 600 وأن عدد الجرحى قد جاوز الـ 1500 معظمهم من الأطفال والنساء والشيوخ وأن الإسرائيليين يقصفون البيوت والمساجد والمؤسسات ويهدمونها على رؤوس ساكنيها دون أدنى اعتبار لحياة الناس أو ممتلكاتهم !!

فعجبت حين بدأ كلامه قائلا لي : أن هذه الأعداد مبالغا بها كثيرا ، وعليك أن لاتصدق هذه الأخبار فقد كنت طبيبا في أيام شبابي في جنوب لبنان مع الثورة الفلسطينية وأعلم أن الفلسطينيين يهولون الأمور ويضخمون في عدد الضحايا ويبالغون في نقل الأخبار .. فقاطعته قائلا : لكن يادكتور الأخبار في هذه المرة لاينقلها فقط الفلسطينيون بل تنقلها وسائل الإعلام العالمية بثا حيا مباشرا نحن نراهم على شاشات القنوات الفضائية المتعددة وإذا تغاضى الإعلام الدانمركي عن نقل هذه الوقائع فهذا لايعني أنها لاتحدث أو أنها مبالغ بها . واستطرد يقول أن المجتمع الدولي لم يقصر في حق الفلسطينيين وأنه فد أنفقت أموال طائلة من أجله لكن كل ذلك لم ينفع ..وقد قامت المجتمعات الغربية بإيواء الكثيرين منهم لكن أنطر ماذا يفعل بعض الفلسطينيين حتى هنا في الدانمرك .. فقلت له هذه المعونات كانت ومازالت تذهب لغير الأمناء من أبناءهذا الشعب المسكين .. لكنها حين تذهب 
 ثم إنه مقابل هؤلاء فإنه يوجد من الفلسطينيين الذين يخدمون في المجتمعات الغربية ومنها الدانمرك ويقدمون لها عصارة خبراتهم وتقنياتهم ومنهم اكاديميون وأطباء ومهندسون وعلماء وأساتذة في مختلف التخصصات فلماذا لا تذكر هذه الكثرة مقابل تلك القلة
للأمناء منهم فإنها تبني وتؤسس وتعمر ما يهدمه الإسرائيليون الآن ..ثم إن الشعب الفلسطني يعرف تماما من هو الأمين على قضيته وقد بدا ذلك جليا في الإنتخابات الفلسطينية ـ التي شهد بشفافيتها العالم كله ـ  فإذا كنا فعلا نحترم الديموقراطية فلنحترم خيار الشعب الفلسطيني ...

 

ثم إن مايقوم به بعض الفلسطينيين في المجتمعات الغربية ومنها الدانمرك من أعمال مخلة بالنظام العام أومخالفة للقانون ليست أبدا مبررا في أن يتجاهل الغرب أو المجتمع الدانمركي قضيتهم أو أن يتغاضى عن الجرائم البشعة التي ترتكب في حقهم .. ثم إنه مقابل هؤلاء فإنه يوجد من الفلسطينيين الذين يخدمون في المجتمعات الغربية ومنها الدانمرك ويقدمون لها عصارة خبراتهم وتقنياتهم ومنهم اكاديميون وأطباء ومهندسون وعلماء وأساتذة في مختلف التخصصات فلماذا لا تذكر هذه الكثرة مقابل تلك القلة ...

ثم ذكر لي أنه كان في عدة مناطق منكوبة في العالم .. في أفريقيا وفي آسيا ومنها أفغانستان وذكر لي قصة لا أدري ماحقيقتها أن أحد عناصر الطالبان كان يقاتل الجنود البريطانيين وهو محتميا بزوجته وأطفاله حتى لايقصفه البريطانيون وهذا ماتفعله حماس في غزة اليوم ..تطلق الصواريخ وتعرض أهل غزة للخطر .. فتعجبت من كلام الرجل أكثر وأكثر وأيقنت أن معلوماته مشوشة ثم أراد أن يختم حديثه بالقول : أنا أعلم أنه إذا تصارع كلبان أحدهما قوي والآخر ضعيف فلابد للضعيف أن يطأطئ رأسه ويلوي ذيله ويكف عن الشجار فقلت له : أنت مخطئ هدا منطق الكلاب أما منطق الإنسان فهو أن يدافع عن حقه ويتمسك به مهما كلفه ذلك من تضحيات وهذا تماما مايفعله أهل غزة بالرغم من أن العالم كله يقف ضدهم وإنهم بهذه التضحية وهذ الفداء قد كسبوا احترام الناس وحبهم وكسبوا احترامي أيضا وحبي وأنا من هنا أفكر جديا في ان أذهب إلى هناك إلى غزة كي أسعفهم وأداوي جراحهم  . ثم سألته سؤالا حيرته به كثيرا وما درى كيف يرد علي به فقلت له لو أنني أتيتك شريدا طريدا ورجوتك أن تؤويني عندك في بيتك  ثم تكرمت علي واعطيتني غرفة بجانب البيت فسكنتها  ثم بعد فترة قلت لك إن هذا البيت هو بيتي وملكي وأن جدودي مروا من هنا وماعليك إلا الرحيل فماذا تفعل بي ؟؟ هذا هو بالضبط مايفعله الإسرائيليون بالفلسطينيين ..

بعد كل هذا النقاش قام الرجل من مكانه قائلا لي وهو يضحك : إن النقاش معك مجهد ياجهاد ..

تفاجأت والله كثيرا من حجم التشويه المدهش الذي يحمله عقل هدا الرجل الأكاديمي الضابط في الجيش الدانمركي والذي يعتبر من أهم جراحي الحروب في الدانمرك وكدت أن أتخد منه موقفا سلبيا لولا أنه بعد يومين من نقاشنا سألني قائلا : هل مازلت عازما على الذهاب إلى غزة ؟؟ فأجبته نعم .. وأتمنى أن أذهب في أسرع وقت ممكن فعدد الضحايا يزداد يوميا وعدد الجرحى في ارتفاع مضطرد ـ ولم أدر بداية مالذي يريده من سؤاله ـ لكنه أحضر لي كتابا عن جراحة الحروب ألفه من خلال خبرته وجلس معي قرابة الساعتين يبين لي أهم الأمور التي تهم الجراحين الذين يذهبون إلى مناطق الحروب وفي نهاية الجلسة وقف لتحيتي وقال لي أتمنى لك التوفيق في مهمتك الإنسانية وأن تعود إلينا سالما .. أخبرنا فقط بموعد غيابك حتى نقوم بإجراءات الإجازة .

لم أدر إن كان نقاشنا هو الذي غير موقفه ، أم انه تابع الأخبار العالمية فتحركت مشاعره الإنسانية تجاه أهل غزة .. أم أن الرجل أزعجه كثيرا نقاشي فأراد أن يخلص مني إلى الأبد بذهابي إلى غزة حيث احتمال الموت كبير جدا !!..

بصراحة منعني أدبي أن أساله عن سر هذا التغير ، ويمنعني ديني أن أظن به الإحتمال الثالث المهم أن النتيجة .. تغير واضح في الموقف  والأهم من ذلك أنني حصلت على إجازة وبمدة مفتوحة أيضا . 

في هذه الأثناء إتصلت بي ممرضة عمليات دانمركية من أصل فلسطيني ورجتني أن إذا تم ترتيب أي رحلة إلى غزة أن تكون معنا فأثرت في نفسي كثيرا نبرتها الحانية وشدة رغبتها بل وحرقتها أن تكون مع إخوتها وأخواتها في غزة لكن للأسف لم يتم ترتيب رحلة إنما سافرت بمفردي وكنت أنوي الإقامة الطويلة فلذلك لم أتصل بها وعلها قد وجدت طريقا آخر للوصول .وإلى اللقاء في الحلقة القادمة ..

بقلم الدكتور: جهاد عبد العليم الفرا إستشاري جراحة عظام
طالع أيضا: 
رحلتي إلى أرض العزة - الحلقة الأولى