أثناء كل هذه المساعي كانت عيني لا تفارق الفضائيات ولمحت عيني في شريط الأخبار على قناة الجزيرة أن أول فريق من اتحاد الأطباء العرب قد عبر معبر رفح إلى غزة فاستبشرت بذلك خيرا واتصلت مباشرة بالأخ الدكتور الحبيب عبد المنعم أبو الفتوح وقلت له ليس لي بعد الله إلا انت يادكتور عبد المنعم فقال لي بلهجته المصرية الجميلة : " تعال ياخوي تعال وربنا حايسهلها ان شاء الله "
كانت تلك أجمل وألطف عبارة أسمعها في تلك الأثناء ومازالت صداها تتردد في أعماق نفسي بتلك النبرة الأخوية الحارة الصادقة : " تعال ياخوي تعال " .
كان ذلك مساء الجمعة التاسع من فبراير 2009 ومن فضل الله وكرمه استطعت أن أحجز إلى القاهرة صباح الأحد الحادي عشر من فبراير 2009 عن طريق فيينا ثم أرسلت صورة عن جواز سفري إلى مكتب إتحاد الأطباء العرب في القاهرة ليتم إدراجي على قوائم الأطباء المتطوعين إلى  غزة  .
وداع الزوجة والأولاد
تفاجأ أولادي الستة جميعا بقراري وأبدوا خشيتهم وخوفهم علي واجتمعوا إلى والخوف والخشية ظاهرة على محياهم وفي وجوههم فتحدثنا ونحن نتابع أخبار غزة عبر الفضائيات بينما أبدوا حنقهم وغضبهم على الإسرائيليين الذين يفعلون بأهل غزة كل هذه الجرائم الماثلة أمام أعينهم خاصة تلك التي كانت تصيب الأطفال .. فسألتهم من لهؤلاء الجرحى ؟؟ ومن لهؤلاء الأطفال إن لم نسرع لنجدتهم ونستجيب لاستغاثاتهم فماهي إلا دقائق حتى بدؤوا يشجعونني ويحثونني على الذهاب وأظهروا اعتزازهم وافتخارهم أن أباهم ذاهب لمداواة أحبابهم في غزة  .
بالرغم من أن الأمر لم يكن شديد المفاجأة على زوجتي فهي كانت كثيرا ما تراني أبكي أمام شاشات الفضائيات  إلا أنها تأثرت كثيرا بل وبكت خاصة عندما بدأت أخبرتها بما للناس على من حقوق وأن إذا أكرمني الله بالشهادة أن أدفن في ارض غزة الطاهرة وأن السفر أضحى قريبا .
لم أكن بعد قد تلقيت أي رد من أي من الجهات التي راسلتها سوى إتحاد الأطباء العرب فعزمت أمري وتوكلت على الله الواحد الأحد راجيا إياه وحده أن ييسر لي أن أصل إلى أرض العزة .
إستيقظت في الصباح الباكر من يوم الأحد الحادي عشر من فبراير لعام 2009 نشيطا ، متشوقا ، متطلعا لتيسير الله طامعا في معية الله ، صليت الفجر ودعوت الله سبحانه وتعالى أن ييسر أمري ويسهله ويبلغني من أطمع أن أتشرف بعلاجهم وبمداواتهم من أهل فلسطين الذين مضى على تعرضهم للإعتداءات الوحشية البربرية الإسرائيلية خمسة عشر يوما ، سألتني زوجتي وهي تحزم حقائبي عن أي نوع من الثياب أريد أن آخد معي فقلت لها ثياب عملية فأنا ذاهب إلى حرب ـ لكنني ندمت على هذا القرار لما رأيته فيما بعد من أناقة وترتيب ورقي إخواني و زملائي الأطباء الفلسطينيين بالرغم من ظروف الحرب والحصار والتضييق المحيطة بهم .
أقلتني زوجتي إلى المطار وفي الطريق إليه كنت أوصيها خيرا بأولادي الأحبة  " لمعة " و " عبد العليم " وزوجته " تينا " و" ديانا " و"يوسف" و " عبد الحليم " و " ندى "  وخاصة بحفيدتي الصغيرة "أميرة "التي لها حيز ومكان خاص في قلبي فبدأت تتوسل إلي والدموع في عينيها ألا أخرج من المستشفى وأن أحرص أن أكون في مأمن من القصف والعدوان ..!!! فقلت في نفسي  وهل من مكان في غزة  في مأمن من العدوان حتى المستشفيات وسيارات الإسعاف لم تسلم وحتى الأطباء والمسعفون لم يكونوا في منأى عن القصف .
العزم
أقلعت بي الطائرة النمساوية من مطار كوبنهاجن متجه إلى العاصمة النمساوية  " فيينا " ولم يفصلني عن وصولها وموعد إقلاع الطائرة النمساوية المتجهة إلى القاهرة سوى ساعة واحدة كانت كافية لي لأنتقل من الأولى إلى الثانية .
كانت الرحلة نوعا ما طويلة الأمر الذي حدا بي أن أفكر في أن أكتب يوميات هذه الرحلة المثيرة والجميلة في آن واحد فبدأت وكتبت حينها :
أكتب هذه الكلمات من الطائرة النمساوية المتوجهة إلى القاهرة من فيينا بعد أن نقلتني أخرى من كوبنهاجن إلى فيينا .. راودتني فكرة أن أكتب يومياتي خلال رحلتي هذه  لعلها تكون فيها عبر وشئ مفيد لأحبتي وأولادي .
ما أدري لماذا كان يساورني القلق بل كنت أبكي بكاء مرا على أمر وحيد أن لا أصل لا سمح الله ولا قدر إلى غزة فكنت طيلة الرحلة الأولى أتضرع إلى الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يبلغني غزة وأن يعينني فيها ويقويني أن أقدم أقصى ما أستطيع من مساعدة للجرحى.. اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك فإن للسائلين عليك حقا أن تبلغني غزة ولاتردني خائبا وأن تشرفني بتقديم ما أستطيع من عون لإخواني الأبطال اللهم آمين وصلي اللهم على سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين .
وإلى اللقاء في الحلقة القادمة..
مجموعة صور من رحلة الدكتور جهاد إلى قطاع غزة
View more presentations from akhbardk.
text-align: justify" dir="rtl" class="MsoNormal" align="right">
طالع أيضا:
رحلتي إلى أرض العزة - الحلقة الأولى   
رحلتي إلى أرض العزة - الحلقة الثانية