لم يكن موضوع  ذهابي إلى غزة العزة عشوائيا بل حاولت أن أرتب له قدر مااستطعت وبالقدر الذي يتيحه لي الوقت . اتصلت بداية بالصليب الأحمر الدانمركي ، ثم بمنظمة أطباء بلا حدود  دون أن أجد استجابة سريعة من أي منهما واستقر بي الأمر على أن أتصل بالأخ الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح حيث سمعت عبر قناة الجزيرة أن أول طاقم طبي قد عبر معبر رفح متجها إلى غزة
 وصلت أرض الكنانة وكان بانتظاري مندوب من اتحاد الأطباء العرب غاية في الأدب والاحترام . سألني فيما إذا كنت أرغب بالراحة لبعض الوقت بالرغم من علمه مسبقا أن رغبتي أن أذهب مباشرة إلى رفح فلم يملك ؟ أمام إصراري  إلأ أن يرضخ لرغبتي في أن أستمر في السفر إلى العريش وكان سائق سيارة خاصة بانتظارنا خارج المطار  أقلتني إلى مدينة العريش المصرية .
كان الطريق إلى العريش طويلا وقد أضاع الأخ وائل السائق الطريق مما زاد في طوله وقد دارت بيني وبين وائل أحاديث ودية ألفت بيننا .وكنا على طول الطريق نرى العديد من سيارات الإسعاف التي تنقل الجرحى الفلسطينيين من قطاع غزة إلى المستشفيات المصرية .
فكنت كلما رأيت سيارة أدعو الله عز وجل بالشفاء العاجل لذلك الجريح وأبكي وأتضرع إلى الله سبحانه وتعالى أن ييسر لي أن أصل إلى غزة بلد العزة .
الوصول إلى العريش
وصلنا العريش في ساعة متأخرة وكنت أود أن أتابع إلى رفح لكن أخبرت أن المعبر سيكون مغلقا وعليه كان لابد أن أبات في العريش .
بت تلك الليلة متأسفا أنني لست بين أحبابي في غزة ، لكنني في نفس الوقت كنت أقول الخير فيما اختاره الله ، تضرعت إلى الله جل في علاه أن يبلغني مناي .
تصريح السفارة الدانمركية بالقاهرة
إستيقظت في صباح اليوم التالي وتناولت طعام الإفطار ثم توجهت إلى غرفة الإنترنت في الفندق الذي نزلت به حتى أرى فيما إذا كنت تلقيت أي جواب من السفارة الدانمركية في القاهرة  بخصوص ذلك التصريح .
تلقيت ردا من السفارة الدانمركية يشرح وبإسهاب عن أن أمر عبور معبر رفح ليس أبدا بالسهل وقد يحتاج إلى وقت طويل وتنسيق شاق خاصة في الظروف الخطيرة الحالية.
كانت الرسالة غاية في الموضوعية ، لكن موضوعيتها هذه كادت أن تدخل إلى قلبي اليأس والقنوط فتمنيت أن لا أكون بحاجة لها ..  بيد أن الإخوة في إتحاد الأطباء العرب اتصلوا بي مجددا وأكدوا على أن تصريح السفارة الدانمركية لابد منه لي لعبور معبر رفح وإلا فسأرد خائبا.
لم أجد بدا من الإتصال تلفونيا بالسفارة الدانمركية غير أنني وخلال نصف ساعة ـ شعرتها حينئذ نصف قرن ـ لم أتمكن من الإتصال بأحد لكنني عاودت الإتصال مرارا وتكرارا إلى أن ردت على إحدى موظفات السفارة التي حولتني بدورها إلى موظف آخر ...
كلمت ذلك الموظف وأنا في غاية اللهفة والرجاء أن يرسل لي  ذلك التصريح.. عل الله سبحانه وتعالى يلين قلبه .. لكنني لم أكن بحاجة إلى ذلك الرجاء والتوسل أبدا .. ومن فضل الله تعالى وكرمه أخبرني أنه على علم بموضوعي وأن رسالتي قد وصلت السفارة  وإذا كان لدي أي فاكس ليرسل لي ذلك التصريح عبر الفاكس فأعطيته فورا فاكس الفندق الذي أسكن فيه فطمأنني أن التصريح سيصلني خلال عشرين دقيقة .
مرت العشرون دقيقة وكأنها عشرين سنة ، كنت أحلل فيها كل كلمة قالها لي ذلك الموظف بل وكل حرف في الرسالة التي وصلتني من السفارة ، وحينما يكون الإنسان وحيدا ضعيفا ـ لايملك إلا الدعاء والتوسل إلى الله سبحانه وتعالى ـ تساوره الشكوك في أن يحصل على مايريد أو أن يبلغ هدفه ولو كان ذلك سهلا  .
 ومما كان يخفف وطأة الإنتظار أن لقيت جراح عظام مع رجل إعلام من مملكة البحرين كان لكلماتهم الطيبة والمطمئنة عظيم الأثر في نفسي لكن أكثر ما طمأنني وهدأ من روعي صلاة الظهر والعصر جمع تقديم صليته مؤتما برجل صالح من دولة قطر أتى مع طواقم الإسعاف والإغاثة حيث سلمت عليه بعد الصلاة ورجوته الدعاء  .
إنطلقت بعد ذلك إلى مركز الإستقبال في الفندق ، وكانت البشارة فسرعان ماذهب الرجل الموظف في الفندق إلى الفاكس وجلب لي معه ذلك التصريح المنتظر الذي فاقت عبارته الجميلة وباللغة العربية كل توقعاتي فلم أتمالك نفسي من فرحتي وسالت دموعي منهمرة على وجهي وسرعان ماسجدت لله شاكرا حامدا وأنا أجهش بالبكاء من شدة الفرح ووسط تهدئة الإخوة البحرينيين لي وتطمينهم لي .
كنت أعيد النظر وأجيله في ذلك التصريح وسرعان ماعدت إلى موظف الإستقبال لأرجوه أن يصور لي ذلك التصريح عدة نسخ مخافة أن أفقده أو أن أحتاج لعدة نسخ منه .
كانت عبارة ذلك التصريح الجميلة تقول :
" إلى من يهمه الأمر ..
تقر سفارة مملكة الدانمرك بالقاهرة بأنه ليس لديها مانع من مرور السيد الدكتور/ جهاد الفرا الدانمركي الجنسية والذي يحمل جواز سفر رقم 10194055 عبر معبر رفح الحدودي إلى مدينة غزة وذلك للمساعدة في الجهود الإنسانية .
والسفارة تؤكد على أن أية مساعدة تقدم له ستكون موضع تقديرنا ."
                                                        ناجي عزيز عبد الله
                                                          المستشار المحلي
               القاهرة 12 يناير 2009      ختم السفارة الدانمركية في القاهرة
وإلى اللقاء في الحلقة القادمة
طالع أيضا:
رحلتي إلى أرض العزة - الحلقة الأولى   
رحلتي إلى أرض العزة - الحلقة الثانية
الحلقة الثالثة: رحلتي إلى أرض العزة