بقي على موعد وصول الحافلة التي تقل 33 طبيبا مصريا من مختلف الإختصاصات من القاهرة والتي ينظمها  " إتحاد الأطباء العرب " ساعتين ..
إلتقيت خلال فترة الإنتظار هذه بصحفية نرويجية دار بيني وبينها حديث مطول حول الوضع الإنساني المتردي في غزة وقد كنت نوعا ما راضيا عن الإعلام النرويجي وبعض المواقف السياسية النرويجية ثم عن عمل وتضحية الأطباء النرويجيين وتفانيهم في إبراز حقيقة مايجري من مجازر تجري على أرض القطاع الجريح للرأي العام العالمي.
خلال ذلك ظهر مراسل جريدة البوليتكن في الدانمرك ودار بيني وبينه حديث عن التعامل الإعلامي السلبي في الدانمرك وعدم التغطية الحيادية لما يحصل وأن إحدى القنوات التلفزيونية الدانمركية قد أرسلت مراسلة إلى الجانب الإسرائيلي لتنقل معاناتهم !!!؟؟؟ دون أن يكون هناك أي مراسل ينقل الصور المروعة من الجانب الفلسطيني وأن من حق المواطن الدانمركي أن يرى الصورة بكل أبعادها حتى يتسنى له تبني الموقف الصحيح ..فذكر لي أن هذه السياسة هي خاصة بتلك القناة وأنه شخصيا يحاول الدخول إلى غزة منذ أربع عشر يوما دون أن يتمكن من ذلك ... في هذه اللحظة وصلت حافلة الأطباء المتوجهين إلى غزة ليأخدونا معهم فحملت أمتعتي وتوجهت إلى الحافلة فأراد المراسل أن يجري معي حوارا صحفيا وسألني : جاءت لحظة الدخول إلى غزة .. هل أنت خائف؟؟!! فقلت له نعم !! أنا خائف من أمر واحد !! هو أن لا يسمح لي بالدخول إلى غزة فودعني والدموع في عينية !!
وصلت الحافلة المحملة بثلاث وثلاثين طبيبا من خيرة أطباء مصر ومن جميع الإختصاصات على رأسهم عالم مصر بجراحة المثانة والمسالك البولية الأستاذ الدكتور محمد غنيم  حفظه الله ورعاه .
لم أكن أعرف أيا من هؤلاء الأطباء الكرام النبلاء من قبل لكن سرعان ما اندمجت معهم وصرت واحدا منهم وأنزلوني منهم منزلة الذي يعرفونه منذ زمن بعيد وسرعان ما نشأت بيني وبينهم المودة والمحبة  ونزلوا في قلبي منزلة رفيعة .
إنضم إلينا ثلاثة أطباء من اليمن وطبيب وإعلامي من البحرين إضافة إلى طبيب أردني يحمل الجنسية الأمريكية .
إرجع !!
عندما استكمل جميع الأطباء كل مايلزمهم من إجراءات وتصاريح ونسخ عن جوازات سفرهم إنطلقت بنا الحافلة إلى رفح والكل يحدوه الأمل أن يكون بين إخوانه وأحبابه في غزة العزة يداوي جراحات أهلها ويواسي آهاتهم ويخفف من آلامهم وكان الدكتور الحبيب الأستاذ محمد غنيم مع الإخوة الأطباء اليمنيين يضفون على الرحلةـ بالرغم من جو التوجس العام ـ مرحا وحبورا وتسرية عن النفس بدعاباتهم الجميلة ونكاتهم المضحكة خاصة تلك التي قصها علينا الدكتور محمد غنيم أثناء فترة وجوده في اليمن السعيد .
وصلنا إلى أول نقطة تفتيش بعد العريش وتفاجأنا بعد ساعات انتظار بكلمة إرجع .. ولكن إلى أين ؟؟ ومتى سيمسح لنا أن نحاول مرة  أخرى؟؟؟ ولماذا نرجع ؟؟.. وماهو السبب ؟؟.. لم يملك الضباط على هذه الأسئلة المتلاحقة أي جواب !!! ولم يشفع للجميع أن شفعوا الأستاذ الدكتور محمد غنيم للتحدث مع الضباط حيث عاد مكفهر الوجه حزينا يتحدث عن أدب الضباط ودبلوماسيتهم في قول إرجع دون إبداء السبب .
لم نملك من أمرنا إلا الإذعان والرجوع !! وكنت بجانب الأستاذ الدكتور محمد غنيم عندما اتصل بصديق له يملك فنادق وشاليهات في العريش وأخبره أنه سينزل برفقتهم في ضيافته يوما أو يومين دون أن يدفع أي منهم مليما واحدا !!!  وكنت لقربي من الأستاذ الدكتور محمد غنيم أسمع عبارات الترحيب والإطراء من الجانب الآخر دون أن أعرفه .
كان الوجوم مخيما ، والحزن يغطي الوجوه ، ولم يقطع ذلك إلا تلاوة القرآن والذكروالدعاء والتضرع إلى الله سبحانه وتعالى أن لايردنا غدا خائبين . 
مع الأخوين الحبيبين الدكتور عاطف والدكتور محمد
وصلنا إلى تلك الشاليهات في العريش وكان من نصيبي أن أكون مع الأخوين الحبيبين الدكتور عاطف والدكتور محمد والذي سبق لي أن تعرفت بهما في الحافلة فكانت فرصة لنا في تعميق هذا التعارف وتآلفت قلوبنا وكان بيننا جميعا إنسجام فكري ونفسي قل مثله بين من يعرفون بعضهم لسنين . يقول الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم : " الأرواح جنود مجندة ماتعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف " .. تعارفت أرواحنا وائتلفت وقضينا تلك الليلة الجميلة في ارتقاء روحي وذكرنا بعضنا أننا قاصدون أرضا طاهرة وما لم نتب إلى الله ونتطهرمن ذنوبنا بالاستغفار وتجديد العهد مع الله فلن يكون لنا نصيب في أن ندخل تلك الأرض فشمرنا عن ساعد الطاعة وأقمنا الثلث الأخير من تلك الليلة . وكان هذان الأخوان قمة في الرقة والأدب الجم وعلى مستوى رفيع من التربية كانا يتسابقان لخدمتي وإنزالي المكان الأكثر راحة وإيثاري بأطيب الطعام وعدم السماح لي أو إعطائي أي فرصة للقيام بأي خدمة مماجعلني أقول لهما ممازحا : أنا أكثر منكما شبابا ولا تحسبان أنني قد بلغت الشيخوخة ولا أستطيع القيام بشئ وإلا لما أتيت قاصدا غزة وأنا لا أريد أن أكون عالة عليكما ..إلا أنني لم أملك أمام إصرارهما إلا أن أطاوعهما .
إستيقظنا صباحا وانطلقنا إلى صالة تناول الإفطار في الساعة المحددة لننتظم جميعا في الحافلة بعد ذلك وننطلق إلى رفح.
كان الطقس جميلا ، والشمس مشرقة ، ومناظر البساتين ، وحدائق النخيل في مدينة العريش الجميلة تبعث في النفس الطمأنينة والراحة ولايبدو أي ازدحام في الطريق وتجاوزنا من فضل الله تعالى كل الحواجز دون أية عوائق .
قضينا الطريق مهللين مكبرين متضرعين إلى الله سبحاته وتعالى أن ييسر لنا الطريق ويسهله .. واستثمارا للوقت قام أحد الإخوة الأطباء المصريين ـ الدكتور إيهاب ـ بإلقاء محاضرة عن الإصابات التي يسببها سلاح الدايم إضافة إلى الإصابات الناتجة عن القنابل الفوسفورية والإنشطارية وكيفية معالجتها . وإلى اللقاء في الحلقة القادمة..