كان القصف الجوي على معبر رفح في ذلك اليوم الثلاثاء 13.02.2009  كثيفا جدا وكان يتراءى لنا كلما اقتربنا من معبر رفح ، والعجيب أن هذا القصف بالرغم من وحشيته التي تطل برأسها علىينا إلا أنه  بدل أن يدخل الرعب في قلوبنا ، بعث في نفوسنا التصميم والثبات على أن نصر على الدخول إلى غزة وصارت قلوبنا وأرواحنا وألسنتنا تلهج بالدعاء لأهل غزة أن ياربنا اجعل هذه النيران وهذه الصواريخ والقذائف بردا وسلاما على أهل غزة .
شارفنا على الوصول إلى المعبر واجتزنا الطابور الطويل لسشاحنات الإغاثة الممهورة بلوحات تشير إلى مرسليها من جميع أنحاء العالم .
سرادق للسيد جمال مبارك للتضامن مع أهل غزة
وعندما وصلنا إلى بوابة المعبر وجدنا سرادقا كبيرا قد أقيم انتظارا للسيد جمال مبارك نجل الرئيس حسني مبارك لإقامة احتفال تضامني مع أهل غزة أنزلنا أمتعتنا وحوائجنا وبدأنا كغيرنا رحلة الإنتظار على معبر رفح الذي لم يكن قد فتح أبوابه لذلك اليوم بعد ، وتوالى إلى أسماعنا أن المعبر لن يفتح اليوم قبل ذلك الإحتفال التضامني لكن متى هذا الاحتفال؟؟ وكم سيأخد من الوقت ؟؟ لا أحد يعلم !!
الدوافع
في هذه الأثناء جاءني الأخ الدكتور محمد  برفقة صحفية من الأهرام وسألني إن كنت أرغب في إجراء لقاء صحفي معها فقلت له بكل سرور ..
وبدأت الصحفية أسئلتها المعتادة عن الإسم والحالة العائلية وعدد الأولاد والتخصصات التي أحملها ومن أين أتيت الآن وكم هي فترة الإنتظار على المعبر ثم عن الدوافع التي جاءت بي إلى هنا بالرغم من المخاطر الظاهرة الآن للعيان أمامنا وكم هوعدد الأطباء الدانمركيين الذين هم برفقتي ؟؟ أم أنني أتيت بمفردي ؟؟ وعن تفاعل الدانمرك الإعلامي مع هذه الحوادث .. وأسئلة أخرى ..فأجبتها على كل الأسئلة وحينما وصلنا إلى سؤال الدوافع ذكرت لها .. أن الناس قد يأتون إلى هنا بدافع إنساني ، أو ديني ، أو قومي ، أو وطني أما أنا فأشعر أنني أحمل كل هذه الدوافع وأن الآية الكريمة التي تقول :"   انفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ " تخاطبني مباشرة وتقصدني بالذات خاصة ضمن الظروف والمعطيات التي هي ماثلة أمام أعيننا .
أما عن عدد الأطباء الدانمركيين فأجبتها أنه للأسف لايوجد بهذه القافلة غيري .وعن التفاعل الإعلامي الدانمركي فقلت لها هناك تجاهل شبه تام لما يجري هنا . 
كوادر الشرطة والأمن تتدفق على المعبر
في هذه الأثناء بدأت كوادر الشرطة والأمن المركزي المصري تتدفق على المعبر وتحيط بالسرادق وبدأوا يخلون ساحة المعبر من كل الناس عدا المشاركين في احتفال التضامن المزمع القيام به .
ولم نكن في عداد الناس الذين سيشاركون في الاحتفال وعليه كان لابد لنا من مغادرة المكان فحملنا أمتعتنا ثانية ووضعناها في الحافلة لكن السؤوال إلى أين سنتوجه ؟؟ وأين ننتظر ؟؟ وهل سيسمح لنا في الدخول ؟؟ لا أحد يملك أن يجيب على هذه الأسئلة التي لايشغل بالنا غيرها ..
بعض الإخوة الأطباء المصريين كان متفائلا وكان يطمئنني أنه بعد هكذا احتفالات تضامنية تكون الأمور ميسرة والبعض الآخر كان يربط التيسير بمستوى نجاح الفعالية التضامنية لكن أيا كانت النتيجة فليس أمامنا إلا الإنتظار وبعيدا وخارج ساحة المعبر ـ المخصصة للإحتفال في ذلك اليوم. 
ربنا اجعلها بردا وسلاما على أهلنا في غزة
توجه بنا سائق الحافلة مبتعدا عن المعبر باتجاه رفح المصرية وهو لايدري أين سيقف إلى أن وجد طريقا ترابية يقف في مقدمتها شرطي فاستأذنه بالوقوف في تلك الطريق الترابية فأذن له ذلك الشرطي بالدخول إليها والانتظار فيها ثم احتار الإخوة أيبقونا في الحافلة حتى لايثيروا قلق الأمن المصري أم ننزل منه ثم نظروا فرأوا أن الناس قد نزلت من سياراتها وسألوا ذلك الشرطي فقال لابأس من النزول .
نزلنا من الحافلة في منطقة رفح المصرية ، وكانت الطائرات الإسرائيلة بكل أنواعها تحلق فوق رؤوسنا وتقصف أمام أعيننا وجاءني الأخ الدكتور محمد فسألني إن كنت أرغب أن نقترب أكثر من رفح الفلسطينية وتقدمنا بين البساتين وكانت مساكن أهل رفح الفلسطينية تتراءى لنا أوضح فأوضح إلى أن وصلنا إلى منطقة لانستطيع تجاوزها وبدأنا نرى القصف أمام أعيننا بعد أن كنا نراه على القنوات الفضائية وكنا نحس بهول القصف وهدير الطائرات حتى أن الأرض ترتج من تحت أرجلنا وصرنا ندعو ونذكر الله جل جلاله: ربنا اجعلها بردا وسلاما على أحبابنا في غزة .
وأثناء تأملنا لذلك القصف ومشاهدتنا للطيران الحربي الإسرائيلي يحلق ويحوم ويقصف ويدمر دون أي اعتراض من أحد . كنا نتساءل لماذا هانت نفوسنا إلى هذا المستوى ؟؟ أين الأخوة ؟؟ أين الحمية ؟؟ أين النخوة العربية ؟؟ بل أين الشهامة ؟؟ أين حق الجار ؟؟ 
بقينا على هذه الحالة عدة ساعات ثم ذهبنا إلى الحافلة لنرى إذا كان قد استجد جديد فأخبرنا أن موكب السيد جمال مبارك قد غادر ولاحظنا أن الكثير من سيارات الإغاثة بدأت تتحرك باتجاه غزة فاستبشرنا خيرا .
توجهنا جميعا نحو الحافلة، ووقفت بنا على باب المعبر منتظرين الإذن بالدخول فبينا نحن كذلك إذ صعد إلى الحافلة طبيب ليبي  وذكرأنه قد انتظر لفترة طويلة ـ أيام عديدة ـ وأنه سئم الإنتظار وأنه لن ينزل من الحافلة إلا معنا في غزة إلا أن الطبيب المسؤول عنا كلمه بحكمة وروية وأفهمه أنه قد يكون سببا في عرقلة دخول كل الأطباء كلهم إن أصر على الدخول حيث الأطباء الموجودين مدرجين على لائحة سلمت مسبقا لضباط المعبر فإن لم تتوافق مع العدد الموجود في الحافلة قد يكون ذلك سببا في ردنا جميعا  فنزل ذلك الطبيب والدموع في عينيه.
ثم صعد الحافلة شاب مسلم يتكلم العربية بلكنة أجنبية وفي يده حزمة من الدولارات وهو يقول : أموال زكاة .. أموال زكاة .. أرجو منكم إيصالها إلى غزة ..إلى أن الطبيب المسؤول عنا رفض أن يأخذها وأخبره أن لجنة الإغاثة في إتحاد الأطباء العرب لاتأخذ تبرعات إلا بإيصال ولاتسلمها إلا بإيصال فنزل ذلك الشاب متأسفا .
كان الأخ الطبيب المسؤول حريصا جدا أن لايقوم أي أحد بأي مخالفة قانونية قد تسبب أي عرقلة للوفد الطبي المشارف على الدخول إلى القطاع الحبيب.
  فتح لنا باب المعبروأذن للحافلة بمن فيها  بالدخول وأحسست بالفرحة تعم قلبي وبدأت أكبر في داخلي وفي أعماقي من شدة فرحتي لكنها فرحة لم تكتمل بعد فسرعان ما أوقف الحافلة ضابط وصعد إلينا ونادى على أسماء الإخوة الأطباء المصريين جميعا ثم قال : الإخوة الذين لم يسمعوا أسماءهم يتفضلوا بالنزول من الحافلة والعودة للخروج من البوابة وليأخذوا أمتعتهم معهم  .
عبثا حاولت أن أستفهم من الضباط عن السبب وفيما إذا كنا سندخل اليوم أم لا وكم سننتظر وهل سيسمح لنا بالعبور أم لا ..
إعترتني الكآبة والحزن الشديد وبدأت أبكي لاشعوريا ، وزاد من حزني نظرات الإشفاق علينا من إخواننا  الأطباء المصريين لكنهم في الوقت ذاته لم يكونوا يملكون لنا شيئا وتمنوا لنا التوفيق .
ودعناهم وتمنينا لهم التوفيق  وعدنا أدراجنا بحقائبنا دون أن ندري ماالذي حدث أو سيحدث .
في مثل هذه المواقف التي يكاد القلب يتفطر منها والنفس تتمزق حزنا وألما لا يطمئن القلب إلا ذكر الله " ألا بذكر الله تطمئن القلوب " .
جلسنا نذكر الله سبحانه وتعالى قرابة الساعتين وكنا سبعة أشخاص ثلاثة أطباء من اليمن واثنين من البحرين وطبيب من الأردن يحمل جنسية أمريكية وانا الوحيد من الدانمرك .
وإلى اللقاء في الحلقة القادمة