قلت للإخوة البحرينيين بعد أن حاولت عدة محاولات للتحدث مع الضابط الواقف على باب المعبر دون نتيجة : لعل الرجل لا يعجبه شكلي أو لايريد التحدث معي ـ بالرغم من أنني والله لم أكلمه إلا في منتهى الأدب ـ فمارأيكم أن تحاولوا ونقف نحن الباقون خلفكم ؟؟  وفعلا تحدثا معه بكل لطف وهدوء ولباقة فطلب منهم تصريح  السفارة البحرينية في القاهرة ثم نادى في الجمع أن من عنده تصريح من سفارة بلده فليأت به وكنت الوحيد غير البحرينيين ممن يملكون هذا التصريح فأعطيته إياه فتمعنه ثم سأل إن كان هناك آخرين فلم يكن غيرنا وأعاد الإخوة اليمنيين الثلاثة والأخ الأردني الذي يحمل جوازا أمريكيا وقد حزنت والله كثيرا لأجلهم وما أدري ماذا فعلوا بعد ذلك حيث من حينها لم أجتمع بهم أسأل الله أن يجمعني بهم في ظل عرشه يوم لاظل إلى ظله وفي مستقر رحمته .
إنطلقنا نحن الثلاثة تسبقنا أقدامنا إلى صالة المغادرة ولحسن الحظ كانت إجراءات المغادرة للإخوة المصريين لم تنته بعد وعندما رأونا كبروا من الفرحة وعانقونا جميعا  ثم أرشدونا إلى الإجراءات المطلوبة وأنه سيطلب منا إقرار هذا نصه .
إقرار
أنا الموقع أدناه المواطن الدانمركي جهاد عبد العليم الفرا أحمل جواز سفر رقم       000    أقر بأن السلطات المصرية قد حذرتني أشد التحذيرعن الوضع الأمني شديد الخطورة في قطاع غزة وبالرغم من ذلك فإني أصر على الدخول للمساعدة في الجهود الإنسانية وأتحمل شخصيا كامل التبعات المترتبة على ذلك وعليه أوقع
جهاد عبد العليم الفرا
ولما انتهيت من كتابته طلب الضابط إعادة كتابته مرة أخرى في أسفل الصفحة ففعلت ولسان حالي يردد : لو طلبته مني عشرين مرة لكتبته فقط دعني أدخل ..
 
القصف الإسرائيلي يهز مبنى الجوازات الذي كنا فيه
كان القصف الإسرائيلي في ذلك اليوم شديدا جدا ، ومركزا على المنطقة الحدوية . وقد شعرنا بدوي هائل هز المبنى الذي كنا ننتظر فيه إجراءات المغادرة .
 
الدخول إلى قطاع غزة
لو استرجعت لحظات السعادة في حياتي والتي غمرت فؤادي وأنعشت نفسي  لوجدت أن لحظة دخول قطاع غزة من أجملها وأكثرها تاثيرا في قلبي وفي وجداني ..حيث أقلتنا حافلة مصرية من الجانب المصري إلى الجانب الفلسطيني الذي دخلناه في حوالي الساعة التاسعة من مساء الثلاثاء 13.01.2009  . وحينما نزلت من القافلة لم أملك إلا أن أقع ساجدا شكرا لله سبحانه وتعالى أن بلغني هذه الأرض الطاهرة ودموعي تنهمر على وجنتي .
على الجانب الفلسطيني أقلتنا حافلة فلسطينية إلى داخل الأراضي الفلسطينية .
 
الأستاذ غازي حمد يستقبل الوفد الطبي ممثلا عن الحكومة الفلسطينية
كانت فرحتنا غامرة عندما رأينا الأخ الأستاذ غازي حمد يصعد إلى الحافلة ليرحب بالوفد الطبي كانت كلماته من أجمل كلمات الترحيب التي سمعتها وتمنى لنا سلامة الإقامة والعودة .
 
الأستاذ علاء البطة يستقبل الوفد الطبي ممثلا عن وزارة الصحة
وازدادت فرحتنا باستقبال الأخ الأستاذ علاء البطة لنا بكلمته الترحيبية الجميلة ، وإعطائنا نبذة عن آخر مستجدات الوضع الميداني ، ثم تعليمات وإجراءات النقل إلى مجمع الشفاء الطبي في غزة .وكم من الوقت سننتظر وأنهم بصدد التنسيق مع الأمم المتحدة من أجل تأمين سلامة انتقالنا إلى غزة حيث كان القصف ينال من كل متحرك ودون أدنى تمييز.
الشرطة الفلسطينية تدقق في جوازات السفر
ثم صعد إلى الحافلة ضابط فلسطيني بلباس مدني وجمع منا جوازات السفر للتدقيق بها ثم عاد ليسألني بكل أدب ولباقة عن اسم أبي وجدي حيث لم يكن ذلك محررا في جواز سفري فأجبته إلى ذلك ثم مضى ولم يمض وقت طويل حتى عاد ليوزع علينا جوازات سفرنا ويتمنى لنا السلامة.
أدركت من اللحظة الأولى لدخولي إلى قطاع غزة أن الأمن مستتب وأن السيطرة كاملة للشرطة الفلسطينية  بالرغم من قساوة ووحشية الضربة الأولى التي تعرضت لها في اليوم الاول من العدوان على غزة .
التوزيع على سيارات الإسعاف
كان جنود الإحتلال قد دخلوا بدباباتهم وتمركزوا في بعض المحاور الخالية وأقاموا الحواجز والسواتر الترابية العالية من حولهم . من بين هذه الحواجز واحد سيعترض طريقنا إلى مجمع الشفاء في غزة  فكان لابد من تنسيق أمني عال بين طواقم الإسعاف ومنظمة الأمم المتحدة لتأمين مرور آمن لنا إلى مجمع الشفاء.
كان الأستاذ معاوية أبو حسنين قائد طواقم الإسعاف هو الذي يتولى عملية التنسيق هذه ، وهذا الرجل شهد له الكثير ممن لقيتهم بجده وإخلاصه وتفانيه بل ومغامرته من أجل إسعاف الجرحى والمصابين ، وقد كان حار الترحيب بكل واحد من الأطباء القادمين إلى غزة ، وعبر لنا عن اعتزازه وافتخاره بنا أن أتينا نسعف الجرحى في هذه الظروف العصيبة والخطيرة.
وبعد أن رحب بنا هدا الرجل الطيب  وعانقنا وحيانا أشار بيده إلى جدار عال بالقرب منا وذكرنا بالآية الكريمة التي تقول :" لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لّا يَعْقِلُونَ "
نظرت إلى الجدار فرأيته عاليا، قبيحا ، هو ذاته جدار الفصل العنصري الذي قطع به الإسرائيايون  أوصال فلسطين في الضفة وفي غزة لكنهم خرجوا من غزة وخلفوه خلفهم وهاهم يعودون الآن ..دعوت الله أن يحمينا منهم وأن يجنبنا والإخوة الفلسطينيين وكل من معنا من الأطباء شرورهم وأذيتهم .
شاهدنا بعض سيارات الإسعاف الجديدة والتي دخلت القطاع لتوها وقد تم إرسالها من المؤسسات الإغاثية المختلفة من دول الخليج وذلك لسد الحاجة الماسة لها خاصة بعد أن دمرت قوات الإحتلال الإسرائيلية العديد من سيارات الإسعاف وأحسسنا أن الإخوة قد ينقصهم سائقين لنقل هذه السيارات إلى المستشفيات 
توزعنا نحن الأطباء على سيارات الإسعاف بواقع ثلاث أو أربع أطباء إضافة إلى السائق في كل سيارة ، واصطفت السيارات رتلا أحاديا وكان على السائقين أن يقودوا السيارات ببطئ وأن لا تتجاوز سرعة السيارة  30 كم بالساعة ويمنع التجاوز وإذا ماوصلت إلى الحاجز عليها أن تقف بانتظار الإشارة وأي مخالفة لهذه التعليمات يعرض الجميع لخطر إطلاق النار .
انطلقت السيارات بنا ولولا نورها لما رأى الواحد منا كفيه من العتمة , كنت أجول النظر علي أرى شيئا لكني لم أستطع تمييز أي شئ وكنا من حين لآخر نسمع أصوات قصف بعيدة ، وأدار السائق مذياع السيارة على قناة الأقصى الإذاعية فكانت لنا خير تسلية في ذلك الطريق بأناشيدها الحماسية ، وبأخبارها التي تنم عن الصمود والثبات في الميدان بالرغم من كل مافعله الاحتلال بغزة من فظائع وأوقع بها من خسائر .
مررنا بطريقنا على مستشفى ناصر في خان يونس وعندها بدأنا نشاهد بعض الأنوار وأناسا يتحركون ذهابا ومجيئا إلى المستشفى . وكان علينا أن ننتظر لبعض الوقت ريثما ننطلق مرة أخرى لمتابعة سيرنا إلى مجمع الشفاء في مدينة غزة وحرص المرافقون أن يقدموا لنا الشاي أثناء فترة الإنتظار هذه والتي استثمرناها في التحدث إلى السائق وسؤاله عن الأوضاع فكان يجيب أما عن الدمار فسترونه بأم أعينكم .. وأما عن المقاومة فهم صامدون ثابتون .. والناس معهم بالرغم من تأثرهم من الدمار الهائل والعدد الضخم للجرحى والشهداء وأكد لنا أننا سنكون سندا وعونا للطواقم الطبية المتواجدة في القطاع وأنهم سيفرحون بنا كثيرا . وإلى اللقاء في الحلقة القادمة ..
طالع أيضا:
الحلقة السادسة: القصف الجوي على معبر رفح يتراءى لنا
الحلقة الخامسة: في انتظار حافلة اتحاد الأطباء العرب
الحلقة الرابعة: رحلتي إلى أرض العزة
رحلتي إلى أرض العزة - الحلقة الأولى   
رحلتي إلى أرض العزة - الحلقة الثانية
الحلقة الثالثة: رحلتي إلى أرض العزة