كانت سكنى طيبة ، وجيرة خير مع الإخوة الأطباء الدكتور وليد أخصائي جراحة عظام والدكتور أحمد أخصائي جراحة باطنية والدكتور أحمد أخصائي التخدير .. وكلهم من أرض الكنانة .. أمضينا معا حياة جميلة ملؤها الحب والتعاون والتفاني بل والتنافس في خدمة إخواننا الجرحى ..  كنا نصلي معا ، وندعو معا ونتضرع إلى الله جل وعلا أن يرفع هذا الإعتداء عن إخواننا أهل غزة وأن يصد عنهم هدا العدوان الوحشي الذي يفوق كل وصف ..
كان القصف متواصلا ومتتاليا فهو إما مدفعي أو جوي أو بحري .. وكان على مدار الساعة بعيدا وقريبا بل ومنه ما كان يهز بناء المستشفى هزا ..وكان في الليل والنهار وكثيرا ماكان يوقظنا في الليل من نومنا وكنت أسأل الله سبحانه وتعالى أن يرد كيد الأعداء إلى نحورهم ونيرانهم إلى صدورهم ,ان يجعلها بردا وسلاما على أهل غزة الاحبة وأن يجنبهم شرورها وأذيتها
..
كان قد تحطم الكثير من زجاج النوافذ في المستشفى .. ومن زجاج الشقة التي سكنا بها .. وقد استبدل الزجاج بنايلون .. لايعزل الصوت ولا البرودة ..
كان نصيبنا أن أتينا في أشد الأيام بردا في غزة وهو ما يسميه أهل غزة  المربعانية أو الأربعينية وتبدأ على ما أذكر في 25 يناير وتنتهي في 5 فبراير ..
وبرد غزة شديد جدا يعبر عنه كبار السن بأنه برد صحراوي يدخل العظام وكنت أحس هذه البرودة خاصة في ركبتي اليسرى والتي كانت تؤلمني ألما شديدا لم أعهده من قبل لكني لم أكن أجرؤ على البوح بألمي لأنني أتيت أعالج الجرحى ولم آتي لأشكو ألمي علاوة على أن آلامي ما كانت لترقى إلى مصاف آلامهم ومستوياتها .. ومن فضل الله علي كنت مجرد أن أستيقظ أذهب وأجلس تحت الشمس في لاالنهار وهذا كان كافيا ليخفف ألمي بل ويزيله في كثير من الاحيان فكنت أحمد الله سبحانه وتعالى وأشكره على تفضله علي بتخفيف هذه الألام وادعوه أن يخفف عن إخواني الجرحى آلامهم ومصابهم ..
تحدث لنا الأخ الدكتور محمد مفيد المخللاتي عن تاريخ المستشفى الاهلي العربي وعن الخدمات التي يقدمها للشعب الفلسطيني وأنه من أقدم المستشفيات في قطاع غزة .. ثم انتقل بنا إلى الحديث عن كلية الطب في الجامعة الإسلامية .. نشأتها وطموحاتها .. وعن الدورات التدريبية التي يقيمونها بالتعاون مع المستشفى الأهلى العربي وغيره من المستشفيات .. وأثر الحصار الظالم على المستوى العلمي لطلاب كلية الطب والجهود التي تبذلها عمادة كلية الطب في التغلب على المصاعب وتأمين احتياجات الطلاب وإمدادهم بما يحتاجونه من أجل استمرار مسيرتهم العلمية الطموحة ..
شوقني حديث الدكتور محمد مفيد المخللاتي كثيرا لزيارة هذه الكلية الوليدة في الجامعة الإسلامية واتفقنا ..بل إلى الجامعة الإسلامية نفسها التي ابتدأت بخيام وانتهت بتطور بديع جميل يشي بالأيادي الأمينة البيضاء الحريصة على إنفاق كل فلس من أجل رفعة الشعب وتطوره وتقدمه .. إتفقنا مع الأخ الدكتور محمد مفيد المخللاتي أن نزور الجامعة حالما تقف الحرب وتتوفر الظروف الأمنية المساعدة ..  
مع الأخ الدكتور فضل نعيم .. أبو أنس .. والد الشهيد
إستيقظنا في اليوم التالي لنبدأ رحلة العمل في هذا المستشفى العريق في خدماته وهو مكون من قسم للرجال وقسم للنساء إضافة إلى جناح العمليات ، وجناح الإسعاف ثم قسم الاشعة والمختبر والعيادات الخارجية والكنيسة والمسجد ..وأخيرا مبنى الإدارة والعلاج الطبيعي  ثم المطعم وحديقة جميلة تتوسط كل مرافقه وتتمتع بخضرة جميلة وفيها أشجار نخيل شاهقة عالية تغطي كراجات سيارات الإسعاف ..
إنطلقنا في موكب طبي مع الأخ الدكتور محمد مفيد المخللاتي لنزور الجرحى في قسم الرجال وكانت إصاباتهم مختلفة فمنهم من كانت إصاباته باطنية ومنهم من كانت إصاباته عظمية ومنهم من كانت إصاباته مشتركة .. عندما دخلنا قسم الرجال كان واقفا بانتظارنا رجل هادئ رزين تبدو على محياه ابتسامة جميلة  يرتدي معطفا سميكا أسودا طويلا .. سرعان مابادر الأخ الدكتور محمد مفيد المخللاتي ليعرفنا به : الكتور فضل نعيم أخاءي جراحة عظام من  واقترح أن ننقسم إلى فريقين كسبا للوقت وحرصا على إفادة قصوى للجرحى ..وانطلق الدكتور محمد مفيد مع جراحي الباطنية وبقيت مع جراحي العظام ومع الأخ الدكتور فضل نعيم ..
كان القسم مليئا بالجرحى .. منهم من فقد رجليه .. ومنهم من فقد رجلا واحدة .. منهم من أصيب بكسر ومنهم من أصيب بعدة كسور .. منهم الكبار ومنهم الصغار ومنهم الشباب هذا طبعا في قسم الرجال .. وكان مثلهم في قسم النساء ..
كنا نمر عليهم واحدا واحدا ويسالهم الدكتور فضل فردا فردا عن شكواهم وآلامهم .. يداعبهم ويمازحمهم ويقرر لهم ما يحتاجون من علاج .. وبأدب جم كان يسألنا عن رأينا في العلاج المدرج لكل مريض وكان بكل تواضع يأخذ برأينا في الكثير من الحالات ..
كنت شديد التأثر لشكوى كل جريح .. وكنت أتألم لألم كل واحد منهم وفي كثير من الأحيان كانت دموعي تسبقني معبرة عن إكباري واعتزازي وحبي لكل واحد منهم ..
أحد هؤلاء الجرحى وهو من فقد رجليه .. كان دائم الصلاة .. دائم الذكر لاأكاد آتي لعنده إلا وأجده مصليا .. أو ذاكرا .. كان هادئا صابرا محتسبا وقد أبكاني مرة حينما قال لي .. أنه لو كان أهلا للشهادة لاختاره الله شهيدا .. لكنه ليس أهلا ـ بحسب تعبيره ـ .. عندها قلت له يا أخي إنما هي إحدى الحسننين وليست حسنى واحدة وأنت إنشاء الله ممن سيتحقق النصر على يديه .. أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يتقبل منك آلامك وأن يحقق آمالك وأن يثيبك على ظلك الثواب العظيم ...
بعد انتهاء الزيارة انطلقنا برفقة الدكتور فضل نعيم إلى جناح العمليات .. وكان برنامج ذلك اليوم حافل بالكثير من العمليات التي سيجريها الدكتور فضل وجلسنا لنتعارف أكثر في استراحة العمليات ..
وتحدثنا عن الميلاد والنشأة والدراسة والاختصاص ثم العائلة والأولاد وعددهم وأعمارهم .. وتفاجأت عندما ذكر لي انه قد فقد ابنه البكر الشهيد أنس المتطوع لدى فرق الإسعاف وقص على نبأ استشهاده حينما اصيب وبقي لفترة طويلة على اتصال معه إلا أنه لم يتمكن من الوصول إليه بسبب القصف وأسلم أنس روحه الطاهرة البريئة إلى بارئها .. ليذهب والده الأخ الدكتور الصابر المحتسب أبو أنس ليضمه ضمة الوداع وليقبل رأسه الشريف ولسان حاله يقول : لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شئ عنده بمقدار .. إنا لله وإنا إليه راجعون .. اللهم أجرني في مصيبتي وأعقبني خيرا منها .. ثم يدفن ابنه الطاهر الشهيد .. ويمضي في علاج جرحاه ..من دون أن يكل أو يمل أو يتخد من استشهاد ابنه ذريعة لعدم العمل والبذل والعطاء ..
أثناء ماكان الاخ الحبيب الدكتور أبو أنس يقص علي قصة ابنه كان يريني صوره الجميلة التي مازال يحتفظ بها على هاتفه النقال ..
شاب في مقتبل العمر كالقمر المصور في ليلة البدر بل أجمل بطلعته المباركة الجميلة ونظراته المبتسمة الهادئة المطئنة لوعد الله ونصره ..
لم أتمالك نفسي بل انفجرت بالبكاء .. نعم انفجرت بالبكاء ووقفت إجلالا وإكبارا لهذا الأب العظيم الذي يقص علي قصة استشهاد ولده .. وقفت أضمه وأعانقه وأقبله .. وهو ثابت قوي صامد صمود الجبال الرواسي وثبات الصخر الأصم .. وقفت أحييه  وأحيي كل أمثاله ممن ضحوا بأنفسهم وفلذات أكبادهم وأموالهم وكل مايملكون دفاعا عن حريتهم وكرامتهم وشرف امتهم ..
تفاجا أبو أنس من بكائي .. وقال لي بتأنيب خفيف ..  كيف يادكتور أجثتم تبكوننا أم تثبتوننا .. ؟؟ فقلت له لا والله يا ابا أنس لكنه صمودكم الأسطوري وصبركم واحتسابكم هو الذي يوقفنا إجلالا وإكبارا لفدائكم وتضحياتكم ..
أحمد الله العظيم رب العرش العظيم الذي شرفني بالاجتماع بهذا الرجل العظيم بثباته .. العظيم بصموده ..العظيم بتضحياته ..
إنطلقنا بعدها إلى غرفة العمليات لإجراء العمليات المبرمجة في ذلك اليوم .. وكنت دائما ما أنسى أنني في غزة وأطلب أدوات ومعدات ليست متوفرة لدى المستشفى وكان الدكتور ابو أنس دائما يذكرني مداعبا .. دكتور جهاد أنت في غزة المحاصرة ..ولست في الدانمرك  إحمد ربك أن عندك هذه الأدوات .. دبر نفسك فيها ..
كان لي شرف العمل مع هذا الرجل المبارك طيلة فترة إقامتي في أرض العزة  فكان نعم الأخ ونعم الصديق ونعم الرفيق ونعم الزميل .. لقد أحببته في جلال الله  ..إجتمعت به على ذلك وعليه افترقنا .. اللهم فإني أسألك ياحي ياقيوم ياذا الجلال والإكرام أن تظلني وإياه وكل من أحببت في ارض العزة بظل عرشك يوم لاظل إلا ظلك يا أرحم الراحمين ..وإلى اللقاء في الحلقة القادمة..
طالع أيضا:
رحلتي إلى غزة - الحلقة السابعة : وأخيرا
 الحلقة السادسة: القصف الجوي على معبر رفح يتراءى لنا
الحلقة الخامسة: في انتظار حافلة اتحاد الأطباء العرب
الحلقة الثالثة: رحلتي إلى أرض العزة
الحلقة الرابعة: رحلتي إلى أرض العزة
رحلتي إلى أرض العزة - الحلقة الثانية
رحلتي إلى أرض العزة - الحلقة الأولى