بعد أكثر من مائة عام من استقلالها عن السويد، تواجه النرويج أزمة هوية. يمكن للنرويجيين في يوم السابع من يونيو (حزيران) أن يستمتعوا بالاحتفال بذكرى الاستقلال عام 1905 وهم سعداء، لان نفط بحر الشمال يجعلهم من أغنى دول العالم، ولأن الامم المتحدة تقول انهم يعيشون في أفضل مكان على الاطلاق، لكن خبراء علم الانسان يقولون ان الثقة بالنفس التي يتمتع بها النرويجيون تخفي وراءها عقودا من البحث عن الذات بشأن ما اذا كانت هذه الدولة الاسكندنافية الصغيرة ستستمر في رفض فرص اللحاق بجيرانها في الاتحاد الاوروبي. وقال توماس هيلاند اريكسن استاذ علم الانسان الاجتماعي بجامعة أوسلو: «نرى انفسنا دولة مهمة حقيقة وندرك في الوقت نفسه اننا دولة صغيرة على هامش اوروبا». وأضاف، «هذا يعني اننا نعاني من مركب استعلاء كبير ومركب دونية كبير كذلك».
هذه الاشكالية تنعكس على المسار الاوروبى الوحدوى، اذ صوت النرويجيون برفض الانضمام للاتحاد الاوروبي في عام 1972، وفي عام 1994. لكن بقية الدول الاسكندنافية انضمت للمسيرة (الاتحاد الاوروبى)، وهي الدنمارك والسويد وفنلندا، لكن مسألة الانضمام للاتحاد الاوروبي لم تمت قط وبعثت من جديد سواء بسبب ذكريات أليمة عن فترة حكم ستوكهولم
الكريهة بين عام 1814 و1905، التي كان يطلق عليها الاتحاد كذلك او برفض فرنسا وهولندا لدستور الاتحاد الاوروبي الاسبوع الماضي.

وقال همينج اولوسين رئيس حركة (لا للاتحاد الاوروبي)، ان التصويت الفرنسي والهولندي أظهر ثغرات في خرافة ان النرويجيين وحدهم هم المتشككون في حكم نخبة الاتحاد الاوروبي». وأضاف «هذا سيعزز جانب الرفض (في النرويج). الاتحاد الاوروبي يدخل مرحلة من الفوضى والحيرة. والناس نادرا ما ترغب في الانضمام للفوضى». وقال ان النرويجيين كانوا غير راغبين في تسليم سيادة دولة صغيرة تقوم على المساواة لبروكسل.

ويقول انصار الانضمام للاتحاد الاوروبي ان النرويج يجب ان تنضم الى شركائها التجاريين الرئيسيين، معتبرين الاتحاد الاوروبي القوة الرئيسية لاقرار السلام والديمقراطية في أوروبا. وقال اريكسن ان هناك نرويجتين، الاولى نرويج الحضر التي قامت على عادات دنماركية ألمانية منفتحة على العالم، ونرويج ريفية قامت على العادات الاسكندنافية القديمة التي تتسم بالخوف من الصلات بالخارج. وقبل السويد حكمت الدنمارك النرويج من عام 1380 الى عام 1814. وأضاف «ان النسخة الاسكندنافية القديمة من النرويج تصور نفسها باعتبارها الاقرب للنرويجي المثالي». ومن هذا المنطلق شهدت الاستفتاءات على الانضمام للاتحاد الاوروبي تنافسا بين الطبقات الوسطى من سكان الحضر ورؤية عن الحياة في خيال النرويجيين التقليديين. ومن المفارقات ان النرويج التي تعاني في علاقاتها مع جيرانها، احتلت مكانة دولية مرموقة بقيامها بأدوار مثل الوساطة في محادثات سلام في الشرق الاوسط وسريلانكا. وقال دبلوماسي «النرويج يبدو انها تتبع نصيحة (الكاتب الاميركي الساخر) جروتشو ماركس الذي يقول، «لا تقبل ابدا عضوية ناد يريد انضمامك اليه». وقال رئيس الوزراء النرويج الاسبق شيل ماغني بونديفيك، ان الرفض الفرنسي للدستور الاوروبي جعل أي دراسة بشأن انضمام النرويج للاتحاد الاوروبي أقل الحاحا، فحتى الساسة الموالون لاوروبا يشكون في اجراء مناظرة شاملة بشأن الانضمام قبل عام2010 .

وتأرجحت نتائج استطلاعات الرأي صعودا وهبوطا، وأشار أحدثها الى أن ما بين 56 و44 بالمائة من النرويجيين يرفضون الانضمام للاتحاد الاوروبي. وفي الانفصال السلمي عن السويد صوت البرلمان النرويجي لصالح وقف الاعتراف بملك السويد الملك اوسكار الثاني، يوم السابع من يونيو عام 1905، بعد أن رفض خططا بأن تفتتح النرويج قنصليات في الخارج لمتابعة تنامي نفوذها في مجال الشحن البحري.

ونشرت القوات السويدية والنرويجية لحرب لم تنشب. وفي نهاية الامر تركت ستوكهولم النرويج تستقل عنها. منذ الانفصال اقامت السويد قاعدة صناعية ضخمة، في حين اعتمدت النرويج على موارد طبيعية مثل النفط والاخشاب والالومنيوم. واصبحت النرويج الان رابع أكبر مصدر للنفط بعد السعودية وروسيا وإيران . والثروة النفطية تعني أن النرويجيين يمكنهم العيش خارج الاتحاد الاوروبي احيانا بمسحة من عقدة الخوف من الاجانب.

وقبل استفتاء عام 1994 كان رأي الكثيرين ممن صوتوا بالرفض، هو ان الاتحاد الاوروبي يمثل قلعة للصفوة مغلقة أمام الدول الشيوعية السابقة. وتحولت قلة من النرويجيين للموافقة على الانضمام للاتحاد الاوروبي بعد أن توسع الاتحاد ليضم 25 دولة بالمقارنة بـ15 العام الماضي.

لكن صحيفة «فيردينز جانج» النرويجية واسعة الانتشار قالت: ان توسعة الاتحاد الاوروبي في الفترة الاخيرة قلبت التشبيه رأسا على عقب، فأصبح نادي الصفوة الاوروبي المنغلق أمام العالم يضم عضوا واحدا هو النرويج. وتقيم النرويج علاقات طيبة مع جيرانها في الاتحاد الاوروبي، على الرغم من الخلاف بشأن انضمام أوسلو للاتحاد، فالخلافات محدودة في ما يتعلق بقضايا مثل حقوق رعي حيوان الرنة عبر الحدود. والاختلافات السياسية الاكبر من ذلك في القرن الماضي شملت قرار النرويج الانضمام لحلف شمال الاطلسي واعتبارها الولايات المتحدة حليفا رئيسيا. وفضلت السويد الانضمام للاتحاد الاوروبي والحياد العسكري في ما يتعلق بحلف شمال الاطلسي. وتحرص الدولتان على نظام للرعاية الاجتماعية من المهد الى اللحد وعلى المساواة بين الرجل والمرأة.
المصدر: صوت النرويج

مواضيع ذات صلة