انتقلت الرئاسة الأوروبية في الأول من الشهر الحالي من تشيكيا إلى السويد. جرى ذلك بهدوء وصمت ومن دون احتفالات أو صخب، نظرا لأن مهمة براغ في الاشهر الستة الماضية اتسمت باضطراب الأداء وتفاقم الخلافات الداخلية، وتداخل الأولويات، وغياب خارطة طريق سياسية واضحة، بل تبني مواقف منحازة، وخصوصا في ما يتعلق بالوضع في الشرق الأوسط.


ورغم التصميم والعزيمة التي أبداها المسؤولون السويديون في بداية تولي بلادهم الرئاسة الأوروبية الثانية في تاريخها، فإن المهمة تبدو صعبة في ظل الأولويات التي حددتها استوكهولم لنفسها، وهي تقضي في صورة أساسية بمكافحة الاحتباس الحراري، وارتفاع نسبة البطالة نتيجة الأزمة الاقتصادية العالمية، وإعادة إطلاق عملية توسيع الاتحاد الأوروبي، التي تجمدت في الفترة الماضية، ويتناول ذلك استئناف المفاوضات مع تركيا.


تحول مركز الثقل في القرار الأوروبي اعتبارا من مطلع الشهر الحالي من تشيكيا في شرق أوروبا إلى السويد في شمال القارة، وذلك بعد ستة اشهر اتسمت خلالها الرئاسة التشيكية للاتحاد الأوروبي بضعف وارتباك الأداء على الصعيد الدبلوماسي، وبرزت على نحو واضح الخلافات الداخلية الأوروبية، وطفت على السطح نتيجة إلى جملة من الأسباب، بعضها يتعلق بآلية إدارة تشيكيا للاتحاد على نحو يفتقر

 للنضج والخبرة، والبعض الآخر على صلة أساسية بإسقاط مواقفها على سياسته ومواقفه الخارجية، وخصوصا الوضع في الشرق الأوسط، لاسيما العدوان “الإسرائيلي” على غزة، الذي كان مثار شد وجذب بين براغ وباريس، ويعود السبب في ذلك إلى أمرين اساسيين: الأول هو ان فرنسا التي سلمت راية الاتحاد إلى تشيكيا كانت قد بدأت لعب دور وساطة لإطفاء الحريق. والثاني هو ان القوانين الداخلية للاتحاد الأوروبي تشترط تعاون ثلاث رئاسات للاتحاد معا، السابقة والراهنة واللاحقة.


انقسام داخلي


كان واضحا منذ اليوم الأول ان الرئاسة التشيكية للاتحاد سوف تسير على قدم واحدة، بسبب الموقف الملتبس من أوروبا، فهذا البلد الحديث الانضمام للاتحاد الأوروبي ما يزال، من جهة يحبو على هذا الطريق، ومن جهة أخرى هو يقع إلى اليوم خارج العمل بأهم اتفاقيتين من الاتفاقات الهيكلية للاتحاد: الأولى هي، اتفاقية العمل بالعملة الأوروبية الموحدة (اليورو)، ذلك ان تشيكيا تواصل تداول عملتها الوطنية (الكورون)، لأنها لم تف حتى الآن بالمعايير التي حددتها “اتفاقية ماستريخت” لجهة تحقيق التوازن المطلوب في نسبة العجز والتضخم. والاتفاقية الثانية هي “اتفاقية لشبونة”.


وإذا كان عدم انضمام تشيكيا للاتفاقية الأولى يعود إلى اسباب تقنية، فإنه في الحالة الثانية نابع من موقف سياسي مسبق، ومن المعروف هنا ان تشيكيا هي من الدول القليلة التي لم تصادق على اتفاقية الدستور الأوروبي (لشبونة)، وتقف منها موقفا مضادا، ولهذا السبب لعبت دوراً سلبياً ومعرقلا على صعيد تقدم العمل الأوروبي المشترك منذ منتصف سنة ،2005 ويجدر التوقف هنا عند نقطة مهمة جدا، تتعلق بمواقف رئيس الدولة التشيكي فاكلاف كلاوس من الاتحاد الأوروبي، حيث درج على إعلان معارضته وانتقاده المستمر للوحدة الأوروبية، ودفاعه عن النوازع السيادية، الأمر الذي جعله يستنكف عن الظهور في الواجهة خلال تسلم بلاده الرئاسة الأوروبية، وأحال مهمة الدور التمثيلي إلى رئيس وزرائه الليبرالي ميريك توبولانيك. ورغم ذلك فإن إحدى المهام الشاقة التي ظلت مطروحة أمام الرئاسة التشيكية هي السعي للتصديق على “اتفاقية لشبونه”، وإيجاد مخارج لتشجيع بقية المستنكفين للمصادقة عليها، لكن الرئاسة التشيكية لم تتحرك في هذا الاتجاه، الأمر الذي صعب على براغ إثارة مسألة تعزيز شؤون الاتحاد الداخلية، وترك هذه القضية معلقة تنتظر الحل، في ظل مؤشرات توحي باستحالة العملية في الظرف الراهن، ذلك ان العمل الأوروبي يشهد جموداً عاماً جراء الآثار السلبية للأزمة الاقتصادية، وبسبب ابتعاد الرئاسة عن مركز ثقل العمل الأوروبي التقليدي القائم في أوروبا الغربية.


مآخذ على براغ


في ظل تسلم الرئاسة السويدية للرئاسة الدورية هناك مفارقة تستحق التوقف عندها باهتمام، وهي تتمثل في المقارنة بين الرئاستين التشيكية والسويدية، من زاويتي الاخفاق والطموح، وانطلاقاً من المآخذ من جانب، والاستعدادات والحماس للنهوض بالمهمة وإعادة الدينامية للعمل الأوروبي من جانب آخر، وتجاوز نقاط الخلل. ولذا يجري التركيز على الاخفاقات التي تم تسجيلها خلال الرئاسة التشيكية، ومنها ان براغ لم تكن متحمسة لتوسيع الاتحاد في اتجاه البلقان، ومع ذلك وقفت بقوة ضد عملية الربط بين إقرار “اتفاقية لشبونة”، وبين مواصلة مسيرة التوسيع لتشمل المزيد من الدول، ولم تتوان في اعلان دعمها لانضمام دول أخرى مثل كرواتيا، وذلك في موقف يتعارض بوضوح مع مواقف فرنسا وألمانيا وإيطاليا واسبانيا وحتى اللوكسمبورغ، التي ترى بأن توسيع الاتحاد لن يكون ممكنا قبل بدء العمل ب”اتفاقية لشبونة” لإطلاق الاتحاد في صيغته المستقبلية، وخصوصا لجهة الرئاسة، والسياسة الخارجية.


بالإضافة إلى ذلك فإن بقية سلبيات الرئاسة التشيكية تجلت في عدم قدرة براغ على إدارة شؤون الاتحاد الخارجية، وذلك بدءا من محيطها الإقليمي، مرورا بعلاقاتها داخل أوروبا، وحتى الشرق الاوسط. وأول مسألة يجري الحديث عنها بقوة اليوم هي نزاعها مع روسيا، الذي كان قد احتد كثيرا في السنة الماضية بسبب قبول تشيكيا مشروع نصب “الدرع الصاروخية” الأمريكية على اراضيها، وهو ما اعتبرته موسكو بادرة غير ايجابية موجهة ضدها، إلى حد أنها هددت بنصب صواريخ “الكسندر” في شريط “كالينيغراد”، ورغم انه لم تحصل احتكاكات ثنائية فإن الاجواء بقيت ملبدة بالغيوم، بسبب انعدام الثقة بين الطرفين، واستمرار التشيك في اتهام روسيا بأنها لا تزال تفكر بأنها تستطيع أن تملي إرادتها على الدول الأخرى، التي كانت تنتمي إليها في إطار “معاهدة وارسو”.


الشرق الأوسط


يعتبر سلوك الرئاسة التشيكية تجاه الشرق الاوسط من اكثر القضايا حساسية، فهذا التصرف لم يتسم بالحكمة، بل برز منذ اليوم الأول انحياز براغ السافر والعلني إلى جانب تل أبيب. والدليل على ذلك ان وزير خارجيتها كان أول من اعتبر العدوان “الإسرائيلي” على غزة دفاعا عن النفس، ولم تتوان تشيكيا في الاعلان عن انها سوف تسرع من خطوات اندماج “إسرائيل” في المنظومة الأوروبية، وتطبيق اتفاق رفع مستوى العلاقات، لذا أعلنت عزمها على عقد قمة بين الاتحاد الأوروبي و”إسرائيل” في مايو/أيار الفائت. وقد اتسمت الاسابيع الثلاثة الأولى من الرئاسة التشيكية بالارتباك والتناقض الشديدين، وغلب عليها الموقف التشيكي الرسمي من “إسرائيل”، البعيد عن التوازن الذي عرفه الموقف الأوروبي، إلا ان باريس التي سبق لها ان قطعت شوطاً كبيراً على صعيد اعادة اطلاق مفاوضات السلام، بادرت إلى التحرك لتطويق التخبط في الموقف التشيكي، وقام الرئيس ساركوزي بالتحرك إلى المنطقة، واطلق بالتعاون مع مصر مبادرة لوقف القتال، وتمكن خلال وقت قصير من إعادة تشكيل الموقف الأوروبي في صورة مختلفة، من خلال إطلاق دينامية جديدة لمرحلة ما بعد الحرب على غزة تستقبل تسلم الرئيس الأمريكي بارك اوباما لمهامه، تبدأ بتثبيت وقف إطلاق النار حتى يصل الطرفان المعنيان إلى اتفاق نهائي، ومن ثم يتلو ذلك العمل على إعادة إعمار ما دمره العدوان “الإسرائيلي”. وذهبت التصورات الأوروبية حتى الدعوة إلى عقد مؤتمر دولي للسلام.


والملاحظ ان العجلة الأوروبية دارت بسرعة، ورغم عدم رضا براغ فإن أول خطوة على الطريق هي استضافة بروكسل لاجتماعين طارئين بدعوة من الرئاسة التشيكية للاتحاد الأوروبي: الأول شارك فيه وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، مع نظيرتهم “الإسرائيلية” تسيبي ليفني. والاجتماع الثاني تم بين وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، ونظرائهم من مصر والسلطة الفلسطينية والاردن وتركيا. نجم عن الاجتماعين آليات لتثبيت وقف إطلاق النار في صورة نهائية، بناء على التصورات والاقتراحات التي جرى تداولها ومناقشتها، خلال القمتين اللتين عقدهما الوفد الأوروبي في شرم الشيخ والقدس الغربية، وتولت مصر إدارة ملف وقف اطلاق النار بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي الذي وضع ثقله من خلف المساعي المصرية، وأبدى استعدادا تاما لتقديم كافة المساعدات الفنية من اجل وقف تهريب الاسلحة إلى قطاع غزة بحرا وبرا، الأمر الذي سار في اكثر من اتجاه، سواء على صعيد المعابر أو المراقبة البحرية. والنقطة الثانية هي، تنظيم مؤتمر دولي لإعادة إعمار ما دمرته الحرب في غزة، الذي انعقد في شرم الشيخ وحظي باهتمام دولي كبير.


مهمة صعبة


حدد رئيس الوزراء السويدي فريدريك راينفلت أولويات بلاده الأساسية لرئاسة الاتحاد الأوروبي، بأنها تكمن في “مواجهة الأزمة المالية وتغير المناخ والإعداد لقمة كوبنهاغن حول الاحتباس الحراري” المقررة في شهر كانون الأول/ديسمبر القادم. واللافت في الرئاسة السويدية امران: الأول هو ادراك السويد للمصاعب التي تنتظرها، وهذا برز على نحو واضح في تصريح وزيرة الخارجية سيسيليا مالمستروم، التي رأت أن تكون رئاسة بلادها للاتحاد “صعبة إلى حد ما”، مشيرة إلى أن “شركاءنا التقليديين لن يكونوا جاهزين بشكل تام للعمل”. والثاني هو حماسها واقدامها الشديد في بداية عهدها على خلاف نظيرتها التشيكية، وقد عكس ذلك تصريح رئيس الوزراء الشاب (43 سنة)، الذي أكد استعداد حكومته للتعامل مع التحديات وترؤس أوروبا بطريقة “منفتحة وفاعلة تركز على النتائج”. ويرى خبراء أوروبيون أن رئيس الوزراء السويدي وحكومته (يمين وسط) يواجهان مهمة صعبة لعدة اسباب: الأول هو ان الرئاسة السويدية تأتي بعد فترة التشيكية التي طبعها الضعف، وعانت من خضات كثيرة خلال الأشهر الستة الماضية، وانتهت إلى حصيلة مخيبة للآمال على المستويات كافة، خصوصا وانها جاءت بعد الرئاسة الفرنسية التي اتسمت بالدينامية وسرعة التحرك والمبادرة على الصعيدين الأوروبي والخارجي. والسبب الثاني هو ان السويد ستعمل إلى جانب برلمان أوروبي منتخب حديثاً ومفوضية سيتغير المسؤولون فيها قريباً، وخلافات واسعة حول رئيسها الذي سيكون ضعيفا لانه محصلة تسويات كثيرة. والسبب الثالث يتعلق بالسويد نفسها فهي بعيدة عن مركز الثقل الأوروبي العام، ورغم أن كافة المؤشرات توحي بأن الرئاسة السويدية جادة ومندفعة وتتمتع بثقة عامة وهناك شبه إجماع على الأولويات، فإن إحدى نقاط ضعف السويد هي انها لا تشكل جزءاً من منطقة اليورو، كما تشيكيا، الأمر الذي قد يحد من طموح مشروعها إلى إعادة الثقة بالأسواق المالية عبر إنشاء جهاز أوروبي لمراقبة الاستقرار، والعمل على أن يصير الاتحاد ويخرج، أكثر قوة من الأزمة الاقتصادية. والسبب الرابع هو الانقسام الدولي من حول المناخ. وتسعى السويد الواقعة مع سبع دول أخرى من أعضاء الاتحاد على ضفاف بحر البلطيق، إلى التوصل إلى استراتيجية أوروبية لمواجهة المشكلات البيئية “الخطرة والملحة”، وزيادة القدرة التنافسية في المنطقة، وفي الوقت الذي يعتقد فيه الخبراء في الشؤون الأوروبية أن طموحات الحكومة السويدية كبيرة جدا على هذا الصعيد، تأمل استوكهولم في حمل الاتحاد الأوروبي على توقيع معاهدة جديدة للأمم المتحدة حول الاحتباس الحراري سيتم التفاوض عليها في ديسمبر في كوبنهاغن، ويفترض أن تحل محل “بروتوكول كيوتو” حول انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الذي ينتهي العمل به في ،2012 واعتبر راينفلت أن “مشكلة المناخ العالمية تتطلب رداً عالمياً”. وهنا تحضر عقبة اضافية تتعلق بعدم اتفاق الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي على كيفية تقديم أموال إلى البلدان النامية، التي تحتاج إلى تغيير أسلوب استهلاكها للطاقة، إلى جانب الحصول على تكنولوجيا جديدة.


والسبب الخامس والأخير يتعلق بموقف السويد من انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، لاسيما وانها تعلق اهمية كبيرة على عملية توسيع الاتحاد الأوروبي، وتوليها “أهمية استراتيجية” لذلك، فإن هاجسها الأساسي هو إحراز “تقدم” في المفاوضات من أجل العضوية التركية، و”الوصول إلى المرحلة النهائية في الخريف” في المفاوضات مع كرواتيا. وقد تزامن تولي السويد للرئاسة مع انطلاق جولة جديدة من المفاوضات لتعديل قوانين الضرائب التركية لتتماشى مع نظيراتها في الاتحاد الأوروبي.


ومن المعروف أن طريق تركيا الأوروبي لا يزال وعرا، إذ ترفض فرنسا وألمانيا بشدة فكرة السماح بانضمام تركيا إلى الاتحاد، الذي يضم 27 دولة وتقترحان منحها “شراكة مميزة” بدلا من ذلك. وهو ما ترفضه أنقرة حيث يرى المسؤولون الأتراك أن هذه الفكرة تتعارض مع مفهوم محادثات الانضمام. ويقف النزاع الطويل الأمد بين تركيا وقبرص حجر عثرة في طريق المفاوضات.


رغم كافة المصاعب وكثرة الملفات أكد رئيس الحكومة السويدية عدة مرات، استعداد حكومته للتعامل مع التحديات و”ترؤس أوروبا بطريقة منفتحة وفاعلة تركز على النتائج”، لكن ذلك يتطلب قبل كل شيء إعادة ترتيب البيت الأوروبي المشترك، ف”اتفاقية لشبونة” لم يحسم أمرها بعد، فيما تقف المفوضية الأوروبية على أعتاب تغيير مجلسها في تشرين الأول /أكتوبر القادم.

باريس - بشير البكر -دار الخليج

مواضيع ذات صلة