عندما يتسنى للمرء أن يتمشى قليلا في أحد الشوارع الرئيسية للعاصمة كوبنهاجن فانه سيسمع حتما كلمات باللهجة العراقية تتطاير من هنا وهناك. أما إذا قادته قدماه إلى شارع نوربرو فانه سيمر بالكثير من المحال التجارية والمطاعم والمقاهي التي تحمل أسماء عراقية خالصة. هذا المشهد لم يكن هكذا قبل ثلاثة عقود من الزمن. ففي أوائل الثمانينات كان عدد العراقيين في الدنمارك قليلا جدا، لكنهم تضاعفوا مئات المرات خلال سنوات قليلة ليصبحوا اليوم من بين اكبر الجاليات الأجنبية في الدنمارك. فحسب آخر الإحصائيات الصادرة عن معهد الإحصاء الدنماركي، يبلغ عدد العراقيين في الدنمارك في اليوم الأول من العام الجاري 29264 شخصاً منهم 7958 شخصا من مواليدها.

البدايات

عرف عن العراقيين، منذ أن تأسست دولتهم الحديثة في أوائل القرن الماضي، عدم رغبتهم بالاغتراب، إذا ما قورنوا بشعوب أخرى مجاورة. وقد اقترنت هجراتهم المهمة بحوادث تاريخية كبرى، مثل الانقلابات السياسية والحروب. لكن هذا لا ينفي أن الكثيرين منهم قد انتشروا في بقاع الأرض لأغراض التحصيل العلمي أو غيرها. وفي الدنمارك كانت بدايات العراقيين من جامعاتها، حيث فضل بعضهم الإقامة في هذه البلاد بعد أن أسسوا حياة مهنية وعائلية فيها. إلا أن أعدادهم لم تتجاوز العشرات في سبعينات القرن الماضي. ولعل طقس الدنمارك البارد وابتعادها السياسي والثقافي عن الشرق، لم يشجع العراقيين على التوجه إليها أو الإقامة المديدة فيها.

 

علاوة على ذلك فإن العراق الغني بفرص العمل والثروات لم يكن آنذاك يجبر مواطنيه على الغربة، يمكن القول بلا تردد أن الغالبية العظمى من العراقيين المقيمين حاليا في الدنمارك هم من اللاجئين إليها ومن تبعهم حسب نظام جمع الشمل. ويمكن تقسيم وصولهم إلى الدنمارك حسب أسباب الهجرة وزمنها إلى ثلاث موجات رئيسية.

 

الموجة الأولى بدأت في أواخر السبعينات واستمرت طيلة الثمانينات ومن أهم أسبابها القمع السياسي الشامل والحرب العراقية الإيرانية. الموجة الثانية بدأت بعد حرب الخليج الثانية وما أعقبها من تدهور خدمي شديد وحصار اقتصادي دولي قاس. أما الموجة الثالثة فقد بدأت بعد الاحتلال في العام 2003.

 

بدأت الموجة الأولى من اللاجئين العراقيين إلى الدنمارك في منتصف الثمانينات كما ذكرنا أعلاه، حيث كانت الحرب العراقية الإيرانية والقمع السياسي على أشدهما. ولكن قبل ذلك بعدة سنوات كانت أعداد غفيرة من العراقيين قد هربت من العراق، لأسباب سياسية بحتة، حيث استقر أكثرهم في سوريا وإيران ولبنان، في حين تمكنت قلة قليلة منهم من الوصول الى الدانمرك وبلدان أوربية أخرى. وكان الهم السياسي والثقافي يتصدرأن هموم ودوافع هؤلاء العراقيين الذين أسسوا منظمات سياسية وثقافية عديدة. لكن الحال تبدل بشكل ملحوظ بعد اندلاع الحرب بين العراق وإيران في أواخر العام 1980، فمنذ ذلك الوقت تضاعفت رغبة الكثير من العراقيين في مغادرة العراق بأي ثمن للخلاص من نار الحرب الرهيبة ومن قمع السلطة المتزايد. وفي نفس الوقت فتحت بعض البلدان الأوربية ومنها الدنمارك نوافذ صغيرة أمام العراقيين الهاربين من الحرب.

 

لكن الأمر لم يكن سهلا أبداً، لأن اللجوء كان في بداية الثمانينات رديفا للخيانة في عرف الكثير من العراقيين في الخارج. إلا انه صار بعد سنوات قليلة خشبة الخلاص للكثيرين ممن تقطعت بهم السبل وضاقت أمامهم فرص العمل. لذلك فان الموجة الأولى من اللاجئين العراقيين التي وصلت إلى الدنمارك في أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات تميزت عما تلاها من موجات بمشاغلها السياسية والثقافية المتنوعة، لأن القسم الأكبر منها كان من عراقيين كانوا أصلا يقيمون في الخارج. وتجسد ذلك في الواقع بنشاط سياسي وثقافي ملموس آنذاك تمثل في إنشاء الجمعيات والمنظمات وإقامة الفعاليات المختلفة.

 

أما الموجة الثانية من اللاجئين العراقيين إلى الدنمارك فقد بدأت بعد انتهاء العمليات العسكرية لحرب الخليج الثانية عام 1991. فخلال هذه الحرب وبعدها فرت أعداد غفيرة من العراقيين إلى الدول القريبة وخصوصا المملكة العربية السعودية وإيران، كما أجبر الحصار الاقتصادي الذي فرض على العراق مئات الآلاف من العراقيين على مغادرة العراق إلى الدول المجاورة، ومن هناك بدأت المنظمات الدولية المختصة بتوطينهم في بعض الدول الأوربية ومنها الدنمارك، منذ ذلك الوقت صارت الدنمارك وبقية الدول الاسكندينافية هدفا مفضلا للعراقيين الباحثين عن بلد لجوء، حيث استمر التدفق البشري العراقي على هذه الدول حتى الآن. لكنه شهد تطوراً ملحوظاً خلال سنوات الانهيار الأمني الكبير في العراق والتي أعقبت احتلاله عام 2003 حيث وصل عدد العراقيين الفارين من العراق عام 2005 و2006 إلى حوالي أربعة ملايين شخصاً حسب تقديرات المنظمات الدولية. وقد حصل عدد قليل جدا من هؤلاء على الإقامة في الدنمارك وذلك بسبب القوانين الدنماركية المتشددة في هذا المجال.

 

النشاطات

أسس عراقيو الدنمارك منذ وصولهم إلى هذه البلاد الكثير من الجمعيات، وكان من أبرزها النادي العراقي الذي تأسس في كوبنهاجن عام 1990 واستقطب عددا كبيرا من العراقيين، لكنه سرعان ما تفكك بعد أن دخلت إليه عناصر حزبية ذات أفق استحواذي ضيق. ولازم مرض الخلافات السياسية والحزبية جميع المبادرات اللاحقة حتى كادت الجمعيات المستقلة فعلا ان تغيب تماما لتحل محلها الجمعيات الحزبية المنتشرة حاليا بين أوساط العراقيين في الدنمارك.

 

أما في مجال السياسة الدنماركية فالملاحظ أن العراقيين هم أبعد من غيرهم من الأجانب عن هذا المجال، حيث يندر أن تسمع بناشط سياسي دنماركي من أصل عراقي. لعل من أبرز أسباب ذلك حداثة الجالية العراقية في الدنمارك وعدم رسوخها واستقرارها في هذا البلد، وارتباطها الشديد بمتغيرات الأوضاع السياسية في العراق، وأكبر دليل على ذلك وجود عدد كبير من عراقيي الدنمارك في مؤسسات الدولة العراقية حالياً.

ما قدمناه في الأسطر السابقة كان مجرد مرور سريع على تاريخ العراقيين في الدنمارك. ونأمل أن تتوفر فرصة أخرى لإشباع هذا الموضوع من كل جوانبه، لأن العراقيين في الدنمارك صاروا مكون مهم من مكونات هذا المجتمع, وسيكون لهم شأن في مستقبله.

يذكر أن هذا المقال قد نشر في العدد الرابع من جريدة أخبار الدنمارك في شهر مارس 2010.

 

بقلم: محمد حمزة

مواضيع ذات صلة