إن عدم أو قلة معرفتنا بالآخر تجعلنا نضخم أنفسنا ونكثر من الثناء على ذواتنا، وهذه هي طبيعة الإنسان في عصر النرجسية والتمحور حول الذات، وبالمقابل تَجِدُنا نبخس الناس أشياءهم ونختزل أعمالهم وانجازاتهم من حيث نشعر أو لا نشعر. ويزداد الأمر حدة عندما تتقاطع المصالح وتتصادم المنافع. إنها عبادة وتقديس لهذه الذات ونحن نطيع أوامرها ونشبع رغباتها من غير مثنوية. فأين النصَفة وأين العدل ؟

إن غرورنا وهروبنا من الحاضر والعيش في الماضي وإنجازات الماضي وازدهار الماضي، هو العقبة الكؤود التي تحول دون تحقيق الذات، ودون التركيز بقوة على هذا الحاضر الذي نحن مسؤولون عنه والذي هو أمانة على عواتق الجميع. وإنما يُذكَر الماضي ليكون دفعة وشحذا لـِهمم البُناة والمصلحين والمجددين، لا لكي نعيش فيه ونغلق على أنفسنا الأبواب. لذا علينا أن نشيع المفهوم الواسع للمعروف ونُفعل كل مصداقاته ابتداءا من الأخلاق ومرورا بالقراءة والتعلم والاختراع وحسن السياسة والاقتصاد والهندسة والميكنة وانتهاءا بالتكنولوجيا النافعة...، كسبيل أوحد أولا لتحقيق ذواتنا والرضا عن أنفسنا، وثانيا لقبول الآخر بنا.

 

وعليه، فقد آض وبات لازما وماساً أن نطرح التعالي بعيدا وأن نتعرف على الآخر، تاريخِه وعلمه وثقافته عن كُتبٍ وعن كَثَبٍ بأن نقرأ له ما يَكتب هو، لا ما يُكتب عنه من أبناء جلدتنا. وهذا لا محيد ولا محيص عنه إن أردنا اندماجا إيجابيا.

 

كما يتعَـيَّن بالأحرى على الأوربيين أفرادا وجماعات أصالةً الاقتراب والتعرف على دين وحضارة وتاريخ من يسكن بين ظهرانيهم في بلدانهم، متوسلين إلى ذلك أولا بالإخلاص واستبعاد النيات السيئة في هذا التعرف، وثانيا بالموضوعية في المنهجية المتبعة؛ حتى وإن لم يكن المسلمون ظاهرين على السطح الحضاري في هذا القرن.

 

فبذلك نكون قد قربنا جميعا المسافة ورسمنا حدود التلاقي ونُظم التواصل وخطوط التماس ليتسنى للجميع العيش ضمن تلك الأطر المتفق عليها، التي تنضح بالاحترام المتبادل وتكافؤ الفرص والقبول بالآخر والتفَهُّم المشترك للأديان والثقافات والعادات والتقاليد.

 

وحتى لا نغرق في التنظير، فنحن كأفراد في المجتمع الغربي لو أنجبت كل أسرة طبيبا أو مهندسا أو أستاذا جامعيا أو عالما اجتماعيا نكون قد بدأنا بفرض أنفسنا وأرغمنا الآخر على قبولنا والإصغاء إلينا والتعرف على ثقافتنا وتقاليدنا ومن ثَمّ احترامنا. فكل السبل للنهوض بمستوانا العلمي متاحة في هذه البلاد فلماذا الانتظار ؟ ولماذا الحيرة ؟ ولماذا التقصير ؟

 

مواضيع ذات صلة