بقلم: سمية عادناني

بدأت القصة عندما قررت الحكومة الدانماركية في يوليو/تموز 2007 مساعدة العراقيين العاملين لدى الكتيبة الدانماركية في العراق و ذلك بمنحهم وعائلاتهم اللجوء السياسي في الدانمارك.

صدر القرار في إطار اتفاق تم التوصل إليه بين الحكومة وحزب الشعب الدانماركي المتحالف معها، على اثر حادث اغتيال تعرض له مترجم عراقي يعمل لدى القوات الدانماركية في العراق. هذا الحادث المأساوي جعل أحزاب المعارضة البرلمانية والمنظمات الإنسانية في الدانمارك تنادي بضرورة حماية هؤلاء العاملين ووجوب مساعدتهم وتوفير الأمن لهم بعد أن أصبحوا عرضة للاغتيال والاختطاف في أي لحظة، لأنهم في نظر البعض من أبناء جلدتهم مخطئون يستحقون العقاب بحجة أنهم يعملون لدى القوات المحتلة، في حين تعاون الالاف غيرهم مع تلك القوات بشكل مباشر أو غير مباشر. وأكثر فئة كانت معرضة للخطر ضمن هؤلاء العاملين هم فئة المترجمين. فالمترجمون وبحكم عملهم، كانوا يتنقلون مع الجنود الدانمركيين من مكان الى آخر على مرآي ومسمع من الجميع. لذلك فقد كانوا معروفين للجهات التى تستهدفهم على عكس العاملين الآخرين الذين يشتغلون داخل الدوائر والمكاتب واللذين يستطيعون الحفاظ على سرية عملهم .

تهديدات مستمرة

"أخبار الدانمارك" التقت بأحد هؤلاء المترجمين، وقد فضل تسميته بالحرفين (وس)  لكي يتجنب أية أخطار ممكنة. عمل (وس) لمدة ثلاث سنوات لدى القوات الدانماركية في أكاديمية الشرطة. وتعرض بسبب عمله هذا لتهديدات كثيرة. حدثنا عن تجربته قائلا: كنت أعيش مع عائلتي وضعا مأساويا في العراق، فقد كان الخطر يحدق بنا من كل الجهات، بحيث أننا لم نكن ننام الليل و كنا دائمي التنقل بين بيوت الأهل، لأن وجودنا  في بيتنا كان يشكل خطرا كبيرا علينا، و قد اضطررت أكثر من مرة للتوقف عن العمل كمترجم،  فقد كنا نتعرض لضغط حقيقي، حيث كنا نسمع كل يوم عن حادث اغتيال أو اختطاف لمترجم أو عامل  لدى القوات الأجنبية، لكن ما دفعني للتفكير جديا باللجوء للدانمارك  هو حادث اغتيال لمجموعة من المترجمين من بينهم أصدقاء لي وأشخاص أعرفهم جيدا. عندها أحسست بالخطر يقترب مني ومن عائلتي. لذلك فان قرار الخروج من العراق كان قرارا إجباريا.  

عدة خيارات

لم يكن خيار اللجوء للدانمارك، هو الخيار الوحيد الذي تطرحه الحكومة الدانماركية على هؤلاء المترجمين بل قدمت لهم عروضا أخرى كتسهيل السفر إلى أي بلد عربي مستقر، أو منحهم مبلغا ماليا يصل إلى 20 ألف دولار للانتقال إلى منطقة أمنة في العراق وتأسيس حياة جديدة،  لكن الأغلبية اختارت اللجوء إلى الدانمارك كأنسب الحلول المطروحة. وقد وصل هؤلاء الى الدانمارك بطريقة لم يجربها غيرهم من العراقيين حيث تم حشدهم وإجلائهم مع عوائلهم من خلال عملية إجلاء خاصة نفذتها القوات الدانماركية بشكل سري.

عندما يقرر المترجم اللجوء فانه يقدم الأوراق المطلوبة للمندوبية الدانماركية في بغداد أو البصرة،  ليأتي القرار بعد أسابيع قليلة من تقديم الطلب.

لجوء وانتظاروعودة

تجدر الإشارة هنا أن قرار اللجوء لا يتم اتخاذه  من قبل المندوبية الدانماركية  بالعراق، فهؤلاء تنحصر مهمتهم في ترشيح الأشخاص الذين تنطبق عليهم الشروط  للحصول على تأشيرة الدخول للدانمارك، وعند الوصول يتعين على كل شخص تقديم طلب اللجوء إلى السلطات المعنية في الدانمارك، والانتظار في مركز الإيواء المؤقت، الذي أعدد خصيصا لهذه الغاية. فترة الانتظار لم تكن طويلة كما هو حال اللاجئين العاديين الذين أمضوا سنوات طويلة في معسكرات اللجوء، ورغم قصر مدة الانتظار، والحصول بسرعة على الإقامة، والتسهيلات الأخرى، لم يرق هذا الوضع للعديد من العائلات العراقية المشمولة ببرنامج مساعدة العاملين السابقين، فقرر بعضها العودة  إلى العراق وإنهاء  وضع اللجوء في وقت مبكر أو بعد عدة أشهر. وكان وس من بين الذين اتخذوا قرار العودة، وسبب ذلك كما يقول: صدمة الواقع الجديد والعزلة التي عشناها ولم نستطع تحملها خصوصا زوجتي التي أصرت على العودة إلى الوطن. وقد عدنا فعلا، ولكن  بعد ستة أشهر من إقامتنا في العراق، اكتشفنا إننا لا زلنا معرضين للخطر، فقررنا العودة مرة أخرى للدانمارك، هذه المرة وفرت لنا الدولة شقة مستقلة في مدينة تيستد، وقتها أحسسنا بالاستقرار والارتياح.

تجدر الإشارة الى أن العودة للوطن كانت تتم تحت إشراف الحكومة الدانماركية، والتي تمنح العائدين مبلغا من المال ليعيدوا بناء حياتهم في العراق مع احتفاظهم بحق العودة للدانمارك خلال مدة لا تتجاوز السنة.

قبول طلب اللجوء للمترجمين العراقيين، كان يتم بشكل سريع، بعدها يتم ترحيلهم إلى المدن التي يختارونها بأنفسهم و يتم توفير شقق مناسبة لهم و لعائلاتهم، ليستقروا و يبدؤوا رحلة الاندماج في المجتمع الدانماركية.

شهادات عالية وبطالة

المثير للانتباه هو أن هؤلاء المترجمين من الطبقة المثقفة في المجتمع العراقي، لذلك فقد كان تعلمهم للغة سريعا، و كانت لديهم الفرص الكبيرة للالتحاق بالجامعات الدانماركية، فالأغلبية منهم فضلوا التعلم بدل العمل وجمع المال، رغم الظروف المالية الصعبة التي يعيشونها، فهم  يحصلون على معونات قليلة جدا لا تكفيهم في معيشتهم .

يقول (وس) الحاصل على بكالوريوس في الأدب الانجليزي: إخترت الدراسة بالجامعة (إدارة أعمال) لأنه عند الحصول على الشهادة الجامعية تكون فرص العمل أفضل، ويكون العمل ذا قيمة و جودة و راتب جيد.

لكن زوجات المترجمين هن من يعانين الأمرين في هذا البلد، فبسبب ظروف الحمل والولادة ورعاية الأطفال، لا يستطعن تعلم اللغة بشكل سريع، وبذلك فهن لا يستطعن الالتحاق بالجامعات ولا تتوفر لهن فرص العمل المناسبة.

ونتيجة لذلك، فهن مضطرات للعمل مقابل الإعانة الهزيلة جدا  التي تقدمها البلدية لهم، وإلا فسوف يحرمن من هذه الإعانة في حالة  رفضهم للعمل.

تقول (م ص) و هي زوجة أحد المترجمين:  درست سنين طويلة بالعراق إلى أن حصلت على شهادة الماجستير في علم الأحياء، و الان أعمل في الدانمارك كعاملة بسيطة في مطبخ بإحدى الإدارات، هذا العمل يشعرني بالاكتئاب والحزن الشديدين وتستطرد قائلة : أنا لست ضد العمل ، لكنني أريد عملا مقبولا نوعا ما حتى لو لم يناسب شهادتي لكن على الأقل لا يشعرني بالمهانة و إنا انظر إلى سنوات دراستي الطويلة في العراق. لكن و بالرغم من الظروف الصعبة التي يعيشها المترجمين اللاجئين هنا بسبب حاجز اللغة والاندماج، ألا أن أغلبهم سعيد لمجرد وصوله للدانمارك.

يقول (وس): نحن عملنا مع القوات الدانماركية بمقابل وليس مجانا، لكن رغم ذلك ساعدونا، و كانت المساعدة شاملة لجميع العاملين ، حتى بالنسبة للذين عملوا لمدة قصيرة.

ويستطرد قائلا: نحس أننا آمنون هنا في الدانمارك،  فهو بلد مستقر و آمن و النظام الاجتماعي و التعليمي جيد جدا.

يرى البعض أن هؤلاء المترجمين محظوظون إلى حد كبير، بحيث أنهم حصلوا على حق اللجوء والإقامة، في الوقت التي بدأت فيه الدانمارك بإغلاق أبوابها في وجه الأجانب وتسفير المئات من طالبي اللجوء  كما حدث مع العراقيين قبا عدة اشهر. لكن يجب الاعتراف بان الحكومة الدانماركية تعاملت  مع قضية العاملين والمترجمين العراقيين  بحس عال من المسؤولية الانسانية، حيث وفرت لهم فرص لم تتوفر لغيرهم، وفتحت أمامهم أبواب جديدة لكي بنوا مع عوائلهم حياة مستقرة وأمنة.

 

تنوه أخبار الدنمارك إلى أنه تم نشر هذا المقال في العدد السادس من جريدة أخبار الدنمارك والصادر في شهر مايو 2010.

مواضيع ذات صلة