بقلم: نضال أبو عريف

تباينت آراء مسئولي الجمعيات العربية في الدنمارك حول أهمية المشاركة في الاجتماعات الدورية التي يدعو لها جهاز المخابرات الدنماركي، ففي حين اعتبرها البعض مهمة وتصب في مصلحة الجالية شكك آخرون في محتواها ورفضوا القنوات الأمنية للحوار. المخابرات من جانبها أكدت على أن اللقاءات تعقد في إطار أمني وقائي ولا ينتج عنها أي نتائج سياسية. 

المخابرات الدنماركية لا تمانع في الحديث عن اللقاءات مع المؤسسات والجمعيات ولكنها في نفس الوقت تتحفظ على الكشف عن أماكن عقدها وهوية الحاضرين، السيد يعقوب إيلوم رئيس شعبة الوقاية في جهاز المخابرات الدنماركي يشرح بداية اللقاءات ويقول "نحن سعداء بالحوار مع المؤسسات والجمعيات وبالفعل فإن هذه الاجتماعات كان لها أثر إيجابي كبير على عملنا وعلى المجتمع بشكل عام وقد استمرت منذ عام 2004 وحتى الآن وتعقد بشكل دوري كل ستة أشهر وتتم في مكان مغلق لا يعلن عنه لخصوصية الاجتماعات، فهذه الاجتماعات طابعها وقائي أمني ونناقش فيها الأمور التي تتعلق بظاهرتي التطرف والتشدد".

ويضيف إيلوم الذي يُعرفه جميع من تحدثنا معهم في هذا التقرير بأنه ملم بشؤون الجالية ويحرص على التواصل مع المؤسسات في جميع الأحداث " نحن لا نعلن هوية المشاركين في الاجتماعات ولكننا في نفس الوقت لا نمنع أي مشارك من التحدث عن مشاركته في الاجتماعات فجهاز المخابرات يهدف إلى الانفتاح على جميع فئات المجتمع ومن أهدافنا أيضاً إزالة النظرة السلبية المسبقة الموجودة لدى بعض أبناء الجالية الإسلامية والعربية".

 

تباين في الآراء وبحث عن النتائج

الدكتور محمود فؤاد البرازي، رئيس الرابطة الإسلامية يرى من جانبه أن هذه الاجتماعات لها أهمية كبيرة وقال في مقابلة مع أخبار الدنمارك "أنا أشكر المخابرات الدنماركية على إتاحة الفرصة لمسؤولي المؤسسات الإسلامية للتعرف على عمل جهاز المخابرات، وهذه خطوة مهمة وجريئة ونحن نقدرها نعم التقدير، وبغض النظر عن الطابع الأمني لها فإنها خطوة في الاتجاه الصحيح. نحن دنماركيون مسلمون وواجبنا الحفاظ على أمن البلد، وكل من يعيش فيه، ومن إيجابية هذه الاجتماعات أنها تثبت للجميع أن المسلمين جزء من المجتمع، ويهتمون بأمنه واستقراره، ولذلك فإننا نسعى لكي يكون هذا الإحساس عند جميع أبناء الجالية".

أما السيد بلال أسعد رئيس الهيئة الإدارية في الوقف الاسكندينافي فشكك بدوره بماهية الاجتماعات واعتبر أنها تحدث في الإطار الخاطئ وأضاف "لا شك أن أمن البلاد يهمنا ولكننا نرفض المشاركة في اجتماعات من هذا النوع تضع المسلمين في قفص الاتهام، فكيف لي أن أجتمع مع جهاز يعتبرني تهديداً أو خطراً، نحن نرفض هذه الاجتماعات ولا نعتبرها مفيدة على الإطلاق"

ووجه أسعد حديثه إلى المشاركين في الاجتماعات قائلاً "إذا شعرتم بأنكم تحققون نتائج تهم أبناء الجالية فتفضلوا واطرحوها على الجالية، أين هي انجازاتكم ؟" 

وكشف أسعد أن المخابرات الدنماركية قامت العام الماضي بزيارة الوقف الاسكندينافي لبحث أسباب عدم مشاركة الوقف في الاجتماعات وأضاف "لقد قامت المخابرات بزيارة الوقف العام الماضي بهدف بحث أسباب عدم مشاركتنا في الاجتماعات وشرحنا لهم أفكارنا وشددنا على أن التعامل مع الجالية يجب أن يكون من الجانب السياسي وليس الأمني.

إلا أن الدكتور البرازي رد بالقول " لقد كان لتلك المؤتمرات المصغرة أثر إيجابي كبير على أبناء الجالية، ولئن كان هناك بعض المتشددين من المسلمين والأحزاب اليمينية الذين تزعجهم هذه الاجتماعات، إلا أننا في الرابطة الإسلامية سنستمر في المشاركة، ولن نعبأ بالاتهامات الظالمة، والظنون السيئة وأنا على ثقة بأن مشاركتي في هذه الاجتماعات صحيحة ، وتخدم أبناء المسلمين والمؤسسات العربية والإسلامية في الدنمارك، وكذلك المسلمين بشكل عام. وقد طرحت عديداً من الأفكار المهمة، وعاتبت المخابرات الدنماركية على الطريقة التي يتم بها مداهمة بيوت المشتبه بهم، ولم أسمع مثل هذا الدفاع من أي أحد آخر".

وشرح البرازي  قائلاً "ألاحظ تفهماً كبيراً من قبل المخابرات الدنماركية كما ألحظ حرصاً منهم على الاستماع لمقترحاتنا وأفكارنا وآرائنا، لا أريد أن أرد على أي ادعاء أو اتهام على المواقف الجريئة والمخلصة للرابطة الإسلامية ، ولكنني أؤكد على أننا سنواظب على هذه المشاركة في هذه اللقاءات، التي لم أسمع عن أي دولة أخرى تقوم بها، وسنسعى للارتقاء بمستوى الاجتماعات حتى تصل إلى اجتماعات سياسية. وقد بدأت هذه الاجتماعات ــ أصلاً ــ مع رئيس الوزراء السابق أنس فوغ راسموسن قبل أزمة الرسوم المسيئة، وطالبته يومها بالاعتراف السياسي بالإسلام، وغير ذلك من المطالب المهمة، لكنها لم تستمر على هذا المستوى لوجود أطراف لا تعجبها العلاقة الطيبة بين المجتمع الدنماركي وحكومته من ناحية، وبين مسلمي هذا البلد من ناحية أخرى، لاسيما وأنهم يمثلون المرتبة الثانية من حيث العدد في تكوين المجتمع الدنماركي".

وشدد البرازي بلهجة قوية على أن هذه اللقاءات تصب في مصلحة الجالية وأضاف "أنا لا أدعي تمثيل الجالية الإسلامية، ولا يستطيع غيري ــ أيضاً ـــ أن يدعي هذا الادعاء، والرابطة الإسلامية في الدنمارك جزء من مسلمي هذا البلد، تقوم على خدمتهم وتوعيتهم بقدر ما تستطيع، وأنا أذهب إلى هذه الاجتماعات بصفتي رئيساً للرابطة الإسلامية".

الشيخ محمد شحادة "أبو الحسن" من مدينة أودنسه رفض  من جانبه الحديث عن أي جدوى لهذه اللقاءات واعتبر أن هذا عبارة عن ذر الرماد في العيون وقال "نحن من البداية رفضنا البوابة الأمنية، وعلى ثقة أن قرارنا بعدم المشاركة كان صائباً، ولا نرى فيها أي فائدة لا على المدى البعيد ولا القريب، فالعديد من الأشخاص الذين شاركوا في هذه اللقاءات يعبرون عن عدم ارتياحهم والآن فهم متهمون بالازدواجية وعليهم علامات استفهام من بعض أبناء الجالية".

وأضاف "المشاركون لم يجنوا شيئاً من هذه الاجتماعات والجالية لم تستفيد أي شيء منها، المخابرات لديها أجندة وهي تنفذها وحديث المشاركين لا يقدم أو يؤخر". 

واتهم أبو الحسن بعض المشاركين "بدق الأسافين" والنكاية على أفراد الجالية وأضاف "لقد قال البعض لنا أن هناك اجتماعات جانبية يقوم فيها بعض الحضور بالحديث الجانبي مع المخابرات وهذا وحده يعطي شبهة". وأشار إلى بعض المشاركين الذين ليس لديهم احتكاك كبير مع أبناء الجالية وتهكم على النتائج قائلاً ” يبدوا أنهم يتجسسون على بعض".

ولكنه أكد في نفس الوقت على أهمية التواصل مع الشرطة المدنية والحفاظ على التواصل مع جميع الجهات المحلية بعيداً عن الشؤون الأمنية.

البرازي رد بالقول "إنني على ثقة بأن الاجتماعات السابقة حققت العديد من النتائج الإيجابية لمسلمي الدنمارك ، وأكبر دليل على ذلك الانفراج الذي تشهده مشاريع المساجد في العاصمة كوبنهاجن والمدن الأخرى، ومن المؤكد أن الدنمارك بلد ديمقراطي لا تحكمه المخابرات حتى وإن كان جهازاً من أجهزتها المهمة، إنما يحكمه السياسيون الذين وصلوا إلى الحكم بأسلوب ديمقراطي، ولهؤلاء الكلمة الأخيرة في قرارات الدولة، إن الانفتاح على جميع أجهزة الدولة يصب في مصلحة الجالية ويعطيها الفرصة لقطع الطريق على المغرضين الذين يسعون لدس الأكاذيب ووضع المكائد لأبناء الجالية، ولاسيما للمؤسسات الإسلامية". وبين أنه يقوم  في بعض الأحيان بالتطرق في خطب الجمعة إلى الأمور الإيجابية التي يطرحونها في هذه الاجتماعات، ولم يسمع أي اعتراض من المصلين، وأضاف "وربما يوجد بعض المؤسسات التي ترفض المشاركة في هذه اللقاءات، فهذا هو خيارها ورأيها، وأنا لا أتدخل في قراراتها".

 

 

الإمام عبد الواحد بيدرسن بين لأخبار الدنمارك أن المشاركة في هذه الاجتماعات مهمة لأبناء الجالية ولكنه لم يستطع توضيح إيجابيات المشاركة وقال "لا أعرف إذا كنا نستطيع الإشارة لنتائج عينية ولكنني أؤكد على أهمية المشاركة والتواصل مع جميع الأطراف في المجتمع".

 

أما السيد يعقوب إيلوم فيؤكد على أن جهاز المخابرات لا يتدخل في أي أمر يتعلق بالسياسية أو الشؤون المحلية وعندما تطرح علينا بعض هذه القضايا فإننا نجيب بأنها لا تقع في إطار مهام الجهاز. ويضيف "المخابرات ترفض ما يقوله البعض بأننا نمنح بعض المشاركين في الاجتماعات غطاءاً أمنياً أو سياسياً فنحن نتعامل مع الحاضرين بصفتهم المؤسساتية ونفتح لهم المجال لإبداء آرائهم في القضايا المهمة للمجتمع ولكن بدون أن يكون لهم أي امتيازات خاصة وإذا كان البعض يشعر بأنه سيتمتع بوضع خاص فقط لمجرد حضوره الاجتماعات فهذا أمر غير صحيح.

وأوضح إيلوم بأن جهاز المخابرات يهتم دائماً بالتحدث مع جميع الأشخاص العاملين على الساحة الدنماركية وليس فقط العرب والمسلمين فنحن نتحدث مع أجهزة الإعلام والغرف التجارية والنوادي الرياضية والمؤسسات التربوية.

كما نفى جهاز المخابرات أن يكون له أي تأثير على منح تراخيص لبناء المساجد أو المؤسسات الدينية حيث شدد السيد إيلوم على أن عمل الجهاز يتعلق في الشؤون الأمنية الاستخباراتية ونفى أن يكون الجهاز ساعد أي مؤسسة عربية أو إسلامية في أي من هذه المجالات، وجاء هذا في رد له على أقوال بعض المؤسسات بأنها تستفيد من هذه الاجتماعات في الحفاظ على وجودها.

 

تنوه أخبار الدنمارك إلى أنه تم نشر هذا المقال في العدد السادس من جريدة أخبار الدنمارك والصادر في شهر مايو 2010.

 

مواضيع ذات صلة