هذه هي قصة الشاب خالد ميعاري الذي نهض بعد سبات عميق في بحر المخدرات المظلم ليصبح أخصائيا لمعالجة الإدمان على المخدرات ومعالجا خاصا للمدمنين من ذوي الأصول الشرقية في الدنمارك، وبذلك يحظى بلقب أول عربي مسلم يمارس هذا الاختصاص .

 فاقد الشيء لا يعطيه، هذه مقولة  نعرفها جميعا ونعرف معناها وقد تنطبق على الكثيرين، لكنها لا تنطبق أبداً على خالد الذي صارع الموت لأكثر من مرة وهو يتناول جرعات المخدرات فأبى القدر إلا أن يلعب معه لعبة صراع البقاء وتكون ثمرة معاناته أن يصبح مصلحا ومعالجا ومرشدا لمن ابتليوا بهذه الآفة.

قصة خالد باتت عبرة ومثالا لقصص النجاح التي نطالعها ليس فقط للاستمتاع بأحداثها إنما لأخذ الحيطة والحذر من أنياب السموم التي تنتشر في محيط المجتمع الدنماركي وبالأخص الجالية الشرقية على وجه الخصوص حيث تشير الاحصائيات وفق ما زودنا بها خالد إلى وجود شاب من بين خمسة يتعاطون المخدرات على أنواعها بالرغم من أن أعمارهم لا تتجاوز 30 عاما.

رحلة المعاناة

رحلة شاقةعاشها  خالد (38 عاما) استمرت نحو عشر سنوات من الألم وتعذيب النفس. يقول خالد بروح ينبعث منها الأمل والطموح: حتى أشعر بالآمان وبمستقبل أكثر ازدهارا علي أن أنظر خلفي حتى أستمد منه القوة والموعظة والدروس الثمينة.

ومع خالد عدنا سويا أدراجنا إلى عشر سنوات مضت فوقفنا أمام سراديب من الإجرام بحق النفس والجسد والمجتمع والقيم والدين.

يقول خالد الذي يتمتع بثقة عالية بالنفس وبروح رياضية عالية: بدايتي كانت موحشة عندما بدأت هذه التجربة القاسية فكانت البداية من خلال شرب الكحول وتطورت إلى تدخين سيجارة الحشيش من منطلق أن هذه الامور قد تنسينا همومنا ومشاكلنا خاصة وإننا كنا مجموعة من الشباب العرب الجدد في الدنمارك. الأمر لم يتوقف طبعا عند هذه  المحطة كما سرد علينا خالد،  بل سار به قطار المخدرات إلى محطة الكوكائين بهدف الانبساط والترويح عن النفس وبعدها إلى هوة الهورئين السحيقة والذي كان مصدره السجن.

ويضيف خالد: عندما دخلت السجن والذي من المفروض أن يكون للإصلاح أدمنت على تعاطي الهوروين وبدل من تناول ذلك عن طريق الشم بت أتناوله عن طريق وخز نفسي بالإبر وبكميات كبيرة حتى أصبحت في عالم النسيان والمتاهات.

عائلة خالد لم تقف مكتوفة الأيدي، خصوصا وأن خالد أظهر رغبة قوية بالاقلاع عن عالم المخدرات، فدخل مصحا علاجيا لأكثر من مرة لكن جميعها باءت بالفشل!

مقاومة عنيفة ونجاح

صارع خالد الحياة أكثر من مرة وقرر إما الموت أو الخروج من السجن نظيفا كما ولدته أمه. رفض تناول جرعات الدواء التي تعطى للمدمنين على المخدرات وعاش أسابيع من العذاب الجسدي والنفسي والحرمان من النوم ومع ذلك قرر مواصلة طريقه حتى عادت الحياة تسري في عروقه رويدا رويدا.

هذا التحدي والإصرار لفت أنظار المشرفة عليه داخل السجن والتي مدت له يد العون لاختراق حاجز الإدمان وعبوره إلى بر الأمان عن طريق الدراسة خاصة بعد أن اكتشفت ان لدى خالد تحليلات نفسية قادرة لإيصاله إلى هدفه إضافة إلى رغبته في وضع خطط وبرامج لكيفية الاقلاع عن المخدرات.

وقد تم له ما أراد ولكن بالاصرار والعمل المتواصل والدراسة التي قادته من نجاح إلى آخر، حيث حصل على شهادة معترف بها كمعالج وخبير في معالجة المدمنين الشرقيين.

فيلسوف الشارع

قصة خالد قد تكون مؤثرة أكثر إذا تغلغلنا في معاناته التي عاشها أثناء تعاطيه المخدرات وقد تترك أثرا أكبر إذا خضنا في تفاصيل نجاحه المبنيةعلى خبرته من تجربته فهو يعرف نفسه بفيلسوف الشارع وطموحه أن ينقي جميع الأجسام من سموم المخدرات بالتوعية والإرشاد والوقاية وهذا ما يحاول تدعيمه في محاضراته التي يقدمها في عدد من المصحات والمراكز الثقافية في أرجاء الدنمارك.

ويعلق خالد: أنا أتعامل مع كل مدمن حسب معتقداته الدينية ونصيحتي للمدمن المسلم أن تكون لديه مخافة من الله أما الآخرون فيكون لديهم ايمان بشيء أكبر منهم.

يدعم خالد علاجه للآخرين بأهمية تحفيزهم من خلال إطلاعهم على الأمور الإيجابية التي فيهم كما يشير إلى أهمية الاعتراف بإنسانية الآخر حتى وإن كان مدمنا.

عام 1999 كانت انطلاقته حيث بدأ معالجا ومساعدا لأخيه الأصغر ثم انهالت عليه الاتصالات من هنا وهناك لتقديم الإرشادات والنصائح لهم في كيفية معالجة من هم في وحل السموم فلم يتقاعس خالد وكان على عجل في تقديم الخدمات حتى أصبح مرشدا وكلل نجاحه في دراسته كمعالج ثم كمختص.

ويعلق خالد عندما كنت في المصحة للعلاج أدركت أهمية وجود معالج شرقي يتفهم ظروف ومشاكل وهموم الشاب العربي خاصة وأن ذلك كنا نفتقده من قبل  المعالج الدنماركي هذا الأمر كان من الأمور التي دفعتني للسير قدما نحو هذا المجال.

تحدي خالد كان جليا عندما أصر على تطهير بدنه وذهنه من السموم ففي سجنه الإنفرادي كانت حلبة المصارعة مع الذات فاستعمل كل الطرق للفوز بهذا التحدي ويقول: ربطت يدي بمغسلة الغرفة كنوع من أنواع المقاومة وضربت رأسي بها كلما انتابني شعور الرغبة فتألمت كثيرا لكن النتيجة كانت والحمد لله خالد جديد.

ويزيد خالد: صحيح أن إغراءات كانت تواجهني خارج السجن وبداخله لكني قاومت وأردت أن يكبر حب خالد في نفسي أكثر وأكثر.

نظرة المجتمع

نظرة المجتمع للمدمن كانت قاسية لكن ما يكنه المجتمع اليوم لخالد هو كل الاحترام والتقدير وأصبح عنوانا ومرجعا ومساعدا لكل من تسول له نفسه لاقتحام هذا العالم الرديء

ويشير خالد إلى أن هناك نسبة عالية من الشباب العرب المدمنين على المخدرات إضافة إلى وجود نسبة بينهم من الفتيات لكنها ضئيلة نوعا ما.

خالد يتاسف ويتأثر كثيرا كلما سمع عن مدمن ويقول»أتعاطف جدا معهم وأكون عقلانيا في نفس الوقت ونحاول سوية أن ننظر إلى الأمام خاصة وأن مثل هذه الشريحة تتعطش للعاطفة.

أما عن الضريبة التي يدفعها المدمن فقال خالد أولا نفسه وحياته ومستقبله ثم الأهل والزوجة والأبناء.

ونصيحة أخرى يهمس بها خالد في آذان العائلات وخاصة الشرقية والعربيةان يدركوا قبل فوات الاوان كيفية التعامل مع فلذات أكبادهم لأن المخدرات كما يقول هي المحطة الاخيرة إذ يسبقها الكثير من الأمور السيئة والتي تقودهم فيما بعد إلى عالم السموم.

هذه الأمور تأتي كما قال خالد من خلال تنمية مواهب الأبناء في جميع المجالات ودمجهم بطريقة صحيحة بالمجتمع الدنماركي على أن لا يتجاهلوا قيمهم ودينهم.

كان خالدا مدمنا وأصبح اليوم معالجا كان مدمرا وأصبح اليوم مصلحا كان تائها لكنه اليوم مرشدا طوى خالد صفحة سوداء وفتح صفحات ناصعة البياض.

 

ملاحظة: تم نشر هذا التقرير في العدد الثاني عشر من جريدة أخبار الدانمارك

 

مواضيع ذات صلة