في تمام الساعة الخامسة تستيقظ آلاء برغلة كل صباح حتى يتسنى لها اللحاق بالقطار المتوجه من محطة أودينسه الرئيسية إلى العاصمة كوبنهاجن وتحديداً إلى منطقة أوستربرو حيث تقع كلية الصيدلة التي تدرس بها، لتقضي نهارها كاملاً في كليتها قبل أن تعود مرة أخرى إلى بيتها في الساعة الثامنة مساءاً وفي أحيان أخرى قبل ذلك.

وليس هذا الحال حكراً على آلاء وحدها، بل إنها واحدة من مجموعة كبيرة من الفتيات الدنماركيات العربيات اللاتي يدرسن في الجامعة، وهذا ما يؤكده مسئول شئون الطلبة بجامعة كوبنهاجن كلاوس نيلسن الذي تابع تطور ونمو أعداد الفتيات العربيات داخل الجامعة ويقول «لم نعد نسجل طلبات الانتساب إلى الجامعة حسب الخلفية العرقية كالسابق، لذلك لا يمكنني أن أحدد عدد الطلبة أصحاب الخلفيات العربية بالضبط، ولكن يمكنني أن أؤكد تزايد أعدادهم، ولاسيما وسط الفتيات العربيات على حساب إخوانهم من الشباب» وأكمل حديثه مبيناً أن الأمر يتعلق أكثر بالدراسات العلمية الطبية عن غيرها من الدراسات بين الفتيات الدنماركيات العربيات.

 

مركز اجتماعي ومستقبل مضمون

وعن سبب اختيار الفتيات العربيات للدراسات الطبية على وجه الخصوص تحكي لنا آلاء وجهة نظرها عن الأسباب والدوافع وراء ذلك قائلة «هناك العديد من العوامل وراء سعي الفتيات الدنماركيات العربيات إلى مثل هذه الدراسات حسب اعتقادي، فهي من ناحية تضمن لي كفتاة محجبة وظيفة بعد نهاية الدراسة، كما أنه مركز اجتماعي جيد أن تدرس الطب أو أي دراسة أخرى علمية».

وكالعديد من الطلاب تواجه الفتيات العربيات الأصل العديد من التحديات والعوائق في سبيل إنهاء دراستهن، مثلهن مثل باقي الطلبة الذين يحاولون تهيئة أنفسهم للامتحانات ومسايرة الضغوط العصبية التي تقع عليهم أثناء الدراسة.

 

بيئة دراسة صعبة

ولكن الأمر مغاير بعض الشيء لهؤلاء الفتيات، حيث تزداد أعباء الدراسة عليهن دون غيرهن، فبيئة الدراسة الدنماركية المعروفة بتواجد الكحول في كل مناسبة بين الطلاب تمثل عائقاً إضافياً للفتيات العربيات والمسلمات منهن خاصة، ولكن آلاء برغلة لا تدع مثل هذه الأشياء تؤثر على دراستها واختلاطها بمن حولها داخل الحرم الجامعي «أنا سعيدة بالعلاقات الاجتماعية القائمة مع من حولي ودائماً ما أشارك في العديد من النشاطات والفعاليات، إلا إذا وجدت المشروبات الكحولية، فأعتذر ساعتها عن المشاركة».

 

فجوة بين الجنسين

ولم يعد هذا التقدم الذي حققته الفتيات مجال شك بعد الآن، فالعديد من الدراسات قد أكدت بالفعل على تزايد أعداد الفتيات عامة داخل الجامعات الدنماركية، ففي عام 2009 أظهرت دراسة أن الفتيات يمثلن 62% تقريباً من إجمالي أعداد الدارسين في الجامعات، تلك الدراسة التي كان للفتيات العربيات الأصل نصيب منها حتى على حساب الفتيات الدنماركيات، ففي دراسة أخرى قام بها معهد الضمان الاجتماعي عام 2010 للفتيات ما بين 20-24 سنة، اتضح أن أعداد الفتيات العربيات الأصل ممن يدرسن دراسات طويلة داخل الجامعة قد فاق نظيراتهن من الفتيات الدنماركيات الأصل.

ولكن هذا التقدم كما يقول أولريك فيندينج الباحث في التحديات الثقافية والذي يُدرس فهم الثقافات بأكاديمية الشرطة، على وشك أن يٌحدث فجوة كبيرة بين الجنسين في الدنمارك وعلى الأخص بين الجنسين من أصحاب الخلفيات الأجنبية، وأضاف «ستؤدي هذه الفجوة بلا شك إلى العديد من الفروق، ففي الوقت الذي تتقدم فيه الفتيات علمياً سيبقى الشباب على حالهم، وبالتالي سيصعب على الفتيات أن يجدن الأزواج المكافئين لهم علمياً، وبالتالي يمكن تخيل أن تبقى أعداد كبيرة من الفتيات دون زواج».

أما آلاء فتوافق الرأي القائل بأنه من الصعب إيجاد الأزواج المؤهلين علمياً كأغلب الفتيات إلا أنها أضافت «العديد من الفتيات الدنماركيات العربيات صاحبات الدراسات الجامعية لا يمانعن الزواج من شباب دون دراسة جامعية، إلا أنهن بالتأكيد يرفضن الزواج من أصحاب الجرائم».

 

نظام دراسي لا يستوعب الشباب

وعودة إلى أسباب تقدم الفتيات تعتقد آلاء بأن من أحد هذه الأسباب كذلك، هو أن النظام الدراسي لا يستوعب الشباب «فالنظام الدراسي مهيأ لمن هم أكثر هدوءاً من غيرهم داخل الصف في حين أن الشباب في حاجة دائمة للحركة، وبالتالي يشعرون بأنهم يتواجدون في المدرسة ضد إرادتهم، في حين كنت أستمتع بالبقاء في المدرسة لفترات أطول لعمل بعض الدروس الإضافية»، ويوافقها السيد أولريك فيندينج الرأي مؤكداً على ضرورة استيعاب النظام الدراسي للطلبة من الشباب.

 

مجتمع دنماركي متجانس

وعن آمالها بعد امتحانها النهائي لم تخف آلاء برغلة رغبتها في الحصول على عمل سواء في مجال الصيدلة أو في مجال الأبحاث على الأدوية الجديدة أو حتى السفر إلى خارج الدنمارك، إلا أنها أكدت على رغبتها في العيش في الدنمارك كمواطنة دنماركية تدفع الضرائب وتعمل لصالح هذا المجتمع، وأبدت في الوقت ذاته استيائها ممن يتحايلون على النظام الاجتماعي، أما عن تمنياتها للمستقبل فتقول «أريد أن يصبح المجتمع الدنماركي مجتمعاً متجانساً لا فرق بين مواطنيه، وأن نتخلص من ثقافة هم ونحن وأن يعيش الجميع في تناغم، بالإضافة إلى ذلك أتمنى أن يقتحم الشباب ذو الأصول الأجنبية مجالات الدراسة الجامعية كل حسب هواه، وأتمنى في النهاية أن يختفي التمييز في العمل فقط لأن المتقدم للحصول على الوظيفة يرتدي حجاباً أو يحمل اسماً عربياً».

مواضيع ذات صلة