تعتبر الجالية المغربية من أقدم الجاليات العربية في الدنمارك وتتمتع بتباين كبير بين أفرادها من حيث المستوى المعيشي والخلفية الثقافية والفكرية والاجتماعية. وهذا بلا شك ينعكس على اندماجها في المجتمع وعلى طريقة حياة الجيل الثاني والثالث من المغربيين في الدنمارك و كذلك فإن العلاقةمع المملكة المغربية تلعب دوراً هاماً في طريقة حياة وبناء المؤسسات والجمعيات المغربية في البلاد.

وقد برز المغاربة في العديد من المجالات على صعيد الحياة الدنماركية، فأحد أهم المغنيين الأجانب في الدنمارك ينحدر من أصول مغربية وفي نفس الوقت فإن أول شخص قد تم سجنه بتهمة الإرهاب ينحدر هو الآخر من بلاد جبال أطلس.

وتشير الأرقام الصادرة من دائرة الإحصاء المركزية الدنماركية إلى وجود حوالي 9861 شخصاً من أصول مغربية يعيشون في الدنمارك يشكل أبناء الجيل الثاني والثالث حوالي 47% من المجموع العام أي حوالي 4715 نسمة. وربما يدل هذا الرقم على أن المغربيين كانوا من أوائل العرب الذين قدموا إلى الدنمارك في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، حيث كانت البداية بطلاب الجامعات وأشخاص آخرين يبحثون عن المعرفة وبعد ذلك بدأت قافلات العمال المغربيين وخصوصاً من شمال المملكة المغربية يبحثون عن لقمة العيش والحياة الكريمة. ويتركز أبناء الجالية في العاصمة كوبنهاجن وفي مدينة فريدريسبيك إلى جانب أعداد متفرقة في ضاحية إيس هوي وجلوستروب وألبيرست لوند وأيضاً في مناطق متفرقة من جزيرة يولاند.

وحسب أرقام مركز الإحصاء الدنماركي يبلغ عدد المغربيين الذين يتجاوز عمرهم ستين عاما 730 شخصاً بنسبة 502 رجلاً و 228 امرأة وهذا يعني أنه يوجد في الدنمارك نسبة واضحة من كبار السن حوالي 7% من تعداد المغربيين في الدنمارك.

ولعل أغلب المهاجرين الأوائل كانوا ينظرون إلى حياتهم في الدنمارك على أنها إقامة مؤقتة مرهونة بالقدرة على تجميع رأس مال محدد يساعدهم على تحسين معيشتهم في المغرب وبعد ذلك ستشد الرحال من جديد نحو الوطن وستسير قوافل العودة عبر المتوسط وجبل طارق لأرض المرابطين والموحدين إلى أن الرياح أتت بما لا تشتهي السفن ومرت السنون وازدادت أعداد المغربيين في الدنمارك خصوصاً بعد أن سمحت الحكومة الدنماركية للعمال الأجانب بجمع شمل عائلاتهم بدون أي مشاكل تذكر. فبدأت أعداد المغربيين في الدنمارك بالتزايد بشكل طردي خصوصاً من المناطق الشمالية الغربية للملكة والريف المغربي، إضافة لعدد من المدن الكبرى.

 

وعن بداية العمل المغربي في الدنمارك يقول السيد الحسيني الغيوان والمقيم في الدنمارك منذ عام 1979 "لقد أسس المغاربة في منتصف السبعينيات عدة نواد مغربية كانت تعرف بالودادية المغربية وانتشرت في أماكن متفرقة من العاصمة كوبنهاجن".

 

كما يشير الغيوان لجهود المغاربة في الدنمارك في السنوات الخمسة الماضية لبناء وتأسيس عدة مراكز ثقافية حيث كان هناك جهد من قبل العرب والمغاربة في ضواحي العاصمة ( جلوستروب وألبيرتس لوند وهوتسترب) لتأسيس "المركز الثقافي الإسلامي في فيستأين" حيث تم شراء قطعة أرض بمساحة 4000 متر مربع سيتم عليها تجهيز عدة قاعات للنشاطات الثقافية والرياضية والاجتماعية.

 

ومع بداية الثمانينيات بدأ المغاربة في الدنمارك بمحاولات متعددة لفتح مشاريع تجارية وأيضاً جمعيات اجتماعية ودينية تهتم بشؤونهم وتساعد على الحفاظ على أصر التواصل بينهم. فكان للمغربيين مساهمة بارزة في المدرسة الإسلامية العربية وأيضاً في فتح عدة مصليات في العاصمة كوبنهاجن وأيضاً في مدن الضواحي. كما عمل المغربيون على فتح بعض المحال التجارية ومكاتب الخدمات. وحافظ المغربيون على علاقة قوية مع البلد الأم، فقد اعتاد أغلبهم على زيارة الأهل في المغرب مرة كل عام، وهذا بلا شك يشكل دعماً اقتصادياً لعائلاتهم هناك.

وبالرغم من أن العدد الأكبر من مغاربة الدنمارك جاؤوا بهدف العمل ولم يكن لديهم طموحات علمية، فقد استطاع أبناء الجيل الثاني رسم صورة مغايرة كلياً حيث انخرطوا في مجالات الحياة فترى الشرطي من أصول مغربية والصحافي من أصول مغربية وكذلك الطبيب والجندي ورجل المخابرات والفنان والسياسي كلهم أصبحوا يعرفون أنفسهم بأنهم دنماركيون جدد. ويلاحظ أن أبناء الجيل الثاني والثالث من المغربين يجدون صعوبة في التحدث باللغة العربية بالرغم من إتقان أغلبهم اللهجة المغربية "الدارجة" فمقارنة بأبناء الجالية الفلسطينية والعراقية يعتبر أغلب أبناء المغاربة الدنماركية لغتهم الأولى، ولا نعرف ما هو سبب تراجع اللغة العربية في صفوف أبناء الجالية المغربية.

 

الحياة السياسية

 

كان المغربيون من أوائل المشاركين في الحياة السياسية الدنماركية، ولعل أشهر سياسي من أصول مغربية هو السيد حميد المستي الذي يعتبره البعض مثيراً للجدل فيما يعتبر آخرون أن تجربته محل احترام وتقدير وأيضاً مؤشر على مستوى الوعي السياسي والإعلامي لدى عرب الدنمارك بشكل عام. وأمضى المستي حوالي 20 عاماً كعضو منتخب في بلدية كوبنهاجن عن الحزب الاشتراكي الديمقراطي. ولعب المستى دوراً بارزاً في تسعينات القرن الماضي واستثمر حالة المراهقة السياسية في صفوف الجالية العربية وكان له مشاركات متعددة في مشروع مسجد كوبنهاجن (الذي أدت الخلافات الداخلية في صفوف الجالية) إلى فشله. وأيضاً كان للمستى مشاركة في مشروع المقبرة الإسلامية والتي تم تدشينها في عام 2006. كما أن المستي استفاد من غياب الجمعيات العربية عن الساحة السياسية والنقاش العام فاعتلى المنبر وأصبح يتحدث باسم الجالية وأبنائها بالرغم من أن الكثيرين عبروا عن عدم توافق آرائه مع السواد الأعظم من أبناء الجالية. كما يرأس المستى جمعية الصداقة الدنماركية المغربية التي تضم حوالي عشرات الأعضاء وتقيم نشاطاً اجتماعياً وثقافياً خجولاً تقوم عليه بعض الشخصيات المغربية.

 

نظرة إلى المستقبل

 

واقع الجالية المغربية يعتبر أفضل حالاً من نظرائها في الجاليات الأخرى خصوصاً وأنها تتمتع بعلاقة قوية مع الوطن الأم وهناك اهتمام ملحوظ من المملكة المغربية بالجالية، وهناك روح تنافسية في صفوف المغاربة تطري أدائهم وتهدف نحو إعادة إخراج صورة وجودهم على الساحة الدنماركية بطريقة أفضل وأكثر تنظيماً وهذا ما يلاحظه المراقبون في الفترة الأخيرة، حيث بدأ المغاربة في تدشين مشاريع كبيرة مثل مؤسسة الإمام مالك والمركز الثقافي في فيستأين. ومن المنتظر أن تبرز على الساحة أطر شبابية وثقافية ونسائية مغربية ستلعب بلا شك دوراً ملموساً على الساحة، إلا أن هذا التطور مرتبط بشكل اساسي بحل الخلافات والنزاعات الداخلية في الجالية المغربية والتعاون مع جميع أطياف الجالية العربية في الدنمارك لرسم صورة أفضل عن العالم العربي على الساحة الدنماركية.

 

معلومات متفرقة حول الجاليات الليبية والتونسية والجزائرية والموراتينية في الدنمارك:

 

يعيش في الدنمارك نحو 276 مواطناً من أصول ليبية يشكل أبناء الجيل الثاني والثالث 48% منهم أي 135 شاباً وشابة. وبالرغم من أن الجماهيرية الليبية قد كان لها سفارة في الدنمارك قبل عدة أعوام إلى أنها قامت بإغلاقها، ويوجد الآن مكتب تمثيل غير واضحة معالمه، كما أن الجماهيرية الليبية تدعم عدة مؤسسات إسلامية وعربية في الدنمارك وكان لها نفوذ كبير في تسعينيات القرن الماضي.

 

ويعيش في الدنمارك 1254 مواطناً من أصول تونسية  يشكل أبناء الجيل الثاني والثالث حوالي 34% أي 431 شاباً وشابة.  وتعتبر الجالية التونسية من أصغر الجاليات العربية في الدنمارك، ويتركز أفرادها في العاصمة كوبنهاجن وضواحيها وأيضاً في مدينة أورهوس ويعمل جزء منهم في التجارة الحرة كما يشاركون في العمل المؤسساتي على مستوى الجمعيات العربية والإسلامية ويشغل أحد أبناء الجالية التونسية منصب رئيس المجلس الإسلامي الدنماركي.

 

كما يعيش في الدنمارك 1324 شخصاً من أصول جزائرية يشكل أبناء الجيل الثاني والثالث حوالي 36 % أي 477 شاباً وشابة، وتوجد سفارة للجزائر في الدنمارك، وتتميز الجالية الجزائرية بتماسك بين أفرادها وعلاقة قوية بين السفارة وأفرادها حيث اعتادت السفارة على تنظيم نشاطات اجتماعية ووطنية متعددة يساهم فيها أبناء الجالية الجزائرية بقوة. كما توجد عدة جمعيات تهتم بالجزائريين في الدنمارك وقد تم تأسيس جمعية شبابية العام الماضي للاهتمام بالشباب من أصول جزائرية إلا أن هذه الجمعية لم تشهد نشاطات ملحوظة منذ تأسيسها.

 

وتشير إحصائيات دنماركية إلى أنه يعيش في الدنمارك 40 شخصاً من أصول موريتانية يشكل أبناء الجيل الثاني 27 % أي 11 شاباً وشابة ولا يوجد معلومات كثيرة عن أبناء الجالية الموريتانية في الدنمارك، ولا توجد أي جمعية موريتانية تقوم على خدمتهم وتجميعهم.

 

هذا المقال هو جزء من بحث حول عرب الدنمارك سيتم نشره في عام 2013، ويرحب الكاتب بملاحظات القراء وأي معلومات يملكونها عن تاريخ الجالية العربية في الدنمارك.

 

بقلم: نضال أبو عريف - المحرر السابق لموقع أخبار.دك

مواضيع ذات صلة