مع بداية العام الدراسي الحالي ومن خلال دراستي في جامعة جنوب الدنمارك ، لفت انتباهي ازدياد عدد الطالبات الجامعيات العربيات وأيضاً الموظفات الإداريات في الجامعة، وفي كل مرة ألمح فيها وجهاً عربياً أُنثوياً، أشعر بسعادة كبيرة لا توصف وأُيقن في نفسي أن الحلم يتحقق وأن الشجرة التي أصلها راسخ في الأرض وغصونها التي تناشد السماء، ها قد بدأت تتفتح أولى براعمها.

تلك البراعم التي تحتاج إلى كل اهتمام ودعم ومحبة من أجل أن تصبح فيما بعد ثماراً نضرة ونواة فاضلة لمجتمعنا العربي في الدنمارك، فإذا صلُحت هذه النواة، صلُحت مجتمعاتنا فيما بعد وإذا فسدت، فعلى الله التوكل.

تلك الفتيات الجامعيات قد عرفن الطريق السوي المشع بنور العلم والثقافة والمعرفة. ذلك الطريق الذي إذا ما اتخذنه عن اقتناع وجد ومثابرة ، كان لهن فيما بعد سلاحاً قوياً لمحاربة الجهل والجهلاء وغدر الزمان.

وكان لهن عوناً كبيراً للمضي قُدُماً في مجتمع مليء بالتناقضات والمصاعب والقوانين التي تصبح أكثر صرامة يوماً بعد يوم.

 إن اختيار العلم كأولوية عند الفتاة العربية في الدنمارك لهو من أصوب الأمور وأفضلها لها وليس كما يقول أو يُفضل معظم الآباء والأمهات بأن الزواج المبكر للفتاة هو السبيل لابتعادها عن كل ما هو بعيد عن الدين والعادات والتقاليد.

إن الزواج المبكر للفتيات اللاتي تحت سن الثامنة عشر واللاتي لم يتلقين التربية الصحيحة وخصوصاً في مجال إدارة شؤون البيت وما يتضمنه من زوج وأولاد وعائلة ، واللواتي لم يحصلن على علم ينتفعن به لهو زواج ينبئ بوجود قنبلة موقوتة في مؤسسة الزواج تلك ، والتي سرعان ما تنفجر وينتج عنها طلاق وتشتت أطفال أبرياء وأم ما زالت طفلة بحاجة إلى رعاية واهتمام وتعليم.

لذلك أشدد على ضرورة العلم للفتاة العربية وعلى ضرورة أن ترسم مستقبلها بيديها بداية من الثانوية العامة ومروراً بالمرحلة الجامعية. وعندما أقول الثانوية العامة ، يتبادر إلى أذهان الكثيرين عطلة نهاية الأسبوع التي تبدأ بسهرة يوم الجمعة. تلك السهرات والحفلات التي يبتعد بعضها وليس كلها طبعا عن أخلاقنا وعاداتنا وديننا وتقاليدنا. تلك الحفلات التي يقال لنا أنها للتعارف ، لكنها سرعان ما تتحول إلى غير ذلك.

بعض الأبناء الذين تقلصت الثقة بينهم وبين ذويهم يلجأون إلى خداع ذويهم بقولهم أن هناك قوانين خاصة وصارمة لهذه الحفلات وبأن هناك عدداً كاف من المدرسين والمدرسات سوف يحضرون تلك الحفلات. ويحصل الأبناء في نهاية المطاف على موافقة ذويهم ويشاركون في تلك الحفلات. لا مانع طبعا من إقامة الحفلات الترفيهية البريئة التي يقيمها الشباب فهذا حقهم ولكن بشرط أن تجري في حدود المعقول وتحت عيون الكبار ومراقبتهم الصارمة.

 وهنا يتحمل الآباء مسؤولية كبيرة. عليهم أن يراقبوا أبناءهم وينصحوهم وقبل ذلك عليهم أن يقتربوا منهم ومن همومهم وأن يكسبوا ثقتهم بحيث يبوح الشباب لذويهم بأهم ما يخالجهم. وعندما تتوفر الثقة والصراحة في علاقة الأهل بأبنائهم الشباب، يصبح الطريق مفتوحا لحل أصعب المشاكل. قووا علاقتكم بأبنائكم وبناتكم واكسبوا ثقتهم، وإلا ستندمون وسيتعرض أبناؤكم لأخطار جسيمة.