- خطأ
|
15 فبراير 2011
ولد فرانس راسموسن في مدينة أولبورغ عام 1944 وتلقى علومه الموسيقية في الأكاديمية الملكية الدانمركية للموسيقى في كوبنهاجن. عمل من العام 1980 إلى العام 1986 في الأوبرا الملكية الدانمركية. ومنذ العام 1997 وحتى الآن هو رئيس الجمعية الدانمركية للتأليف الموسيقي. هو مايسترو ضيف لعدة بلدان أوروبية وأفريقية ودول شمال أميركا وآسيا. ومنذ العام 2006 عُيِّن في الأوركسترا السمفونية في سايغون ، فيتنام. حصل على عدة جوائز لعدد من اسطواناته.
عمله في الدول العربية والإسلامية
كان لفرانس عدة تجارب جميلة مع بعض الدول العربية. طلب منه الذهاب إلى مصر في العام 2005 ليكون قائد أوركسترا في الأوبرا المصرية ليقدم قطعة موسيقية عن قصة للكاتب العالمي الدانمركي الراحل هانس كريستيان اندرسن. كان من ضمن الأوركسترا المصرية عدد كبير من الموسيقيين الروس واليوغوسلافيين.
كان الحفل أكثر من رائع وكانت قاعة الأوبرا ممتلئة بالجمهور المتذوق للموسيقى. وحديثاً طُلِب منه الذهاب إلى مصر لتقديم ملحمة عن كارل نيلسين المؤلف الموسيقي الدانمركي. ولكن صادفت مع ذلك الطلب أزمة الرسوم المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم فتوقف كل شيء قبل ثلاثة أسابيع من إقامة الحفل. ولكن فرانس يقول بأنه يحب أن يعود إلى مصر ثانية لأنها كانت تجربة غنية وفريدة من نوعها.
وقبل مصر كان في أنقرة حيث لحن في الفرقة التابعة لأتاتورك في ذلك الوقت. كما وأنه كان مايسترو ضيف أقام عدة حفلات في المغرب وتونس.
دعاه السفير العراقي في الدانمارك إلى الذهاب إلى شمال العراق في مناطق كردستان العراق لإقامة حفلات موسيقية هناك ، وهو يعمل على هذا المشروع حالياً.
يؤكد فرانس على ضرورة الاتصال بالعالم العربي من خلال إقامة الحفلات الموسيقية فهو يحب التقرب لهذا العالم لكي يتعرف عليه أكثر من خلال ثقافته وتنوع فنونه.
«أوربان بلان» و «أصوات من فولسموسه»
عرضت عليه مؤسسة راديو الدانمارك التعاون معها لإنتاج برنامج مشترك. فكرة البرنامج أساسها من بريطانيا بحيث يتم اختيار منطقة توجد فيها كثافة سكانية أجنبية مثل مناطق اللاجئين الذين يسكنون في الغيتوهات. ويتم اختيار عدد محدد من الشبان والشابات لتدريبهم لأن يكونوا كورالاً يغني ضمن أوركسترا أوروبية. وعرض عليه القيِّمون في راديو الدانمارك شريط فيديو عن ذلك المشروع. ويقول فرانس عن ذلك: «في أول خمس دقائق من مشاهدة ذلك الفيلم تضايقت وطلبت منهم إيقاف الشريط وقلت لهم إنني أرفض المشاركة بهذا العمل. موضحاً بأن الطريقة التي يتعامل بها المايسترو الإنكليزي مع الشباب الأجنبي غير لائقة على الإطلاق فهو ينهرهم ويوبخهم ويخلق المشاكل بينهم من أجل إضفاء عامل المتعة لدى الجمهور. وهذا ضد مبادئي وأخلاقي. وعندما تم سؤاله عن كيفية تغيير هذا البرنامج لكي يتناسب معه قال: لدي ثلاثة شروط لأقبل بهذا العمل. الشرط الأول: أن لا أحد يُملي عليّ ماذا أفعل والشرط الثاني: لا أريد أن أوبخ أحداً ولا أريد أن أخلق المشاكل بين الشبان. والشرط الثالث والأخير: لا أريد أن يشبه هذا البرنامج ببرنامج الهواة (الأكس فاكتر). وبالفعل تم له ذلك.
شباب فولسموسه
يقول فرانس عن تجربته مع الشبان والشابات في «أصوات من فولسموسه» أن معظمهم لديهم خلفية صعبة ، فأهاليهم ذاقوا الحروب والصدمات وهربوا بهم إلى الدانمارك إنقاذاً لحياتهم. وها هم الآن يعيشون في شقق سكنية صغيرة الحجم بالنسبة لعدد القاطنين فيها. وهؤلاء الشبان ليس لديهم مكان يجتمعون فيه إلا الشارع بحيث يجدون راحتهم. فهؤلاء الشباب يذكرونه بوضعه عندما كان صغيراً فقد كان كثير الحركة والمشاغبة وكان دائم المشاكل. كان يَضرِب ويُضرب وقد تم طرده من مدرستين. يضيف فرانس: في دوامة المشاكل تلك وطفولتي الصاخبة كانت البيانو ملجئي الوحيد، وكنت كلما مررت بضائقة ما ألوذ إلى الموسيقى ، فكانت خلاصي. وكنت أفجر كل طاقاتي الكامنة داخلي من خلال الموسيقى التي سيطرت على جنوني وعذاباتي.
لهذا السبب عندما طلب مني القيِّمون على راديو الدانمارك أن أنهر وأوبخ الشباب رفضت رفضاً قاطعاً وأخبرتهم بأن هذا الأسلوب في التعامل هو ما لا يريده هؤلاء الشبان. وهذه الطريقة الخاطئة في التعامل مع المراهقين لن تجدي نفعاً بل على العكس سيكون لها نتائج سلبية كثيرة. إذ أن أفضل أسلوب للتعامل معهم هو عن طريق المحادثة والمصادقة.
لهذا الأمر قبِلت الاشتراك في « أوربان بلان» و «أصوات من فولسموسه» لأنني أتفهم وضعهم وأشعر معهم. ويضيف: صحيح أنني شعرت باختلاف بالتعامل معهم يتعلق باختلاف العادات والتقاليد ، فمثلاً هنا في الدانمارك عندما يتكلم شخص كبير مع ولد فيجب أن ينظر الولد مباشرة في عيون الكبير وذلك إحتراماً له. أما عند العرب ، فإنه من العيب أن يتم النظر مباشرة ويجب توجيه النظر إلى الأرض حين التنبيه إلى أمر ما. لذلك اعتمدت معهم مبدأ المصادقة منذ البداية. أحببت أن أقدم فرصة لهؤلاء الشباب ليظهروا فيها مواهبهم المطمورة. وكان هدفي أن أستخدم خبرتي الشخصية ومسيرتي الفنية لتحقيق ذلك.
الاندماج بواسطة الموسيقى
يقول فرانس في هذا المجال: عندما بدأت في مشروع «أوربان بلان» وهي منطقة سكنية شعبية في كوبنهاجن حيث اخترت 36 شخصاً من أصل 98 ليكونوا فرقة تقدم موسيقى كلاسيكية ، وكان معظمهم من الأجانب وألوانهم مختلفة ، عند ذلك لمعت الفكرة في ذهني: فكرة مشروع الدمج الاجتماعي بواسطة الموسيقى. من هنا بدأ اهتمامي للموضوع ودراستي له. بحثت عن أصل كلمة «إنتغرايشن ـ إندماج» والتي تعني تجميع وليس التذويب كما يريدونه الآن في الدانمرك. أي بمعنى أن الإندماج يجب أن يكون عن طريق تبادل الثقافات بين بعضهم البعض وليس تذويب ثقافة في ثقافة أخرى.
أصوات من فولسموسه
يتحدث فرانس عن هذه التجربة قائلاً: لم أكن أعرف عن منطقة فولسموسه غير ما كان يُنقل عبر وسائل الإعلام المرئي والمسموع وحتى في الصحف الدانمركية. ولكنني حقيقة لم أكن أصدق كل ما يُقال.
اخترت 38 شخصاً من فولسموسه ليكونوا صوتها. بالفعل كانوا على قدر المسؤولية وأظهروا الوجه الإيجابي لمنطقتهم وللقاطنين فيها وطباعهم الطيبة والكريمة. ويضيف فرانس بأن خلال كل تلك الفترة من التمرينات وعلى مدى عدة أسابيع لم يحصل أي حالة من الشغب أو الإضطراب في فولسموسه.
ويضيف فرانس متأثراً بأنه حصل على أصدقاء عرب كثر بكل ما في الكلمة من معنى للصداقة وهو على تواصل معهم حتى الآن.
«أصوات من فولسموسه» حدثاً كان له ضجة إعلامية كبيرة وإيجابية بحيث تناولته معظم وسائل الإعلام بالإضافة إلى النقل المباشر للحفلات. ولقد تلقيت الكثير من الاتصالات من مختلف الشخصيات والطبقات الاجتماعية الدانمركية التي تثني على هذا العمل الرائع. بالإضافة إلى تشريف ولي العهد فريدريك إلى الحفل الذي أقيم في قاعة الاحتفالات في مدينة أودنسة والتي كانت ممتلئة بالجمهور الدانمركي وسكان فولسموسه. وبعد الاحتفال قام ولي العهد بمقابلة شبان وشابات فولسموسه وكان اللقاء معبراً ومؤثراً جداً.
الدمج بالموسيقى مشروع حياتي
يقول فرانس: إن مشروع الدمج بواسطة الموسيقى أصبح مشروع حياتي . فالدمج بالنسبة لي ليس فقط بين الأجانب والدانمركيين ، بل بين الأجانب أنفسهم. كالدمج بين العرب والصوماليين أو بين الباكستانيين والأتراك ، إلى ما هنالك من جنسيات مختلفة. أنا أؤمن بأن الموسيقى هي اللغة الوحيدة القادرة على إقامة تواصل إيجابي وفعَال. إذ أن الدمج عبر الموسيقى ليس فيه أي نوع من سوء الفهم ولا التجريح أو الإهانات. وكلما عملت في هذا المشروع وتعاملت مع تلك الطاقات الشابة ، كلما تعرفت على قدراتهم الكثيرة والمهمة ، تلك القدرات التي يجب علينا نحن المسؤولين أن نستوعبها ونوظفها في أمكنتها المناسبة.
وبعد انتهاء المشروع ، حصلت على عرض من مؤسسة مانحة تعرض علي مبلغاً كبيراً لقاء المضي قدماً بهذا المشروع الإندماجي الموسيقي ، لأن هناك عدد كبير من الشباب أحب الفكرة وأحب تكملة المسيرة الثقافية الموسيقية.
وبسبب فلسفة فرانس راسموسن في الإندماج عبر الموسيقى أهديته عدداً من الأقراص المدمجة للسيدة فيروز وموسيقى الياس الرحباني وأخبرته عن موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب وكوكب الشرق أم كلثوم لكي يستمع هو بدوره إلى موسيقانا ويتعرف أكثر على ثقافتنا الغنية.
ملاحظة: هذا التقرير تم نشره في العدد الثاني عشر من جريدة أخبار الدانمارك



















