بقلم: ندى عيتاني

أحببت من خلال هذه المساحة المعطاة لي أن أشرك القراء بموضوع ارتدائي للحجاب. صحيح أنه موضوع يعنيني أنا شخصياً، إلا أن اختياري كان لأسباب عديدة أهمها كثرة التساؤلات وعلامات التعجب التي أحاطت بي متصاحبة مع جمل وتعابير الشفقة والحزن علي، وهذا ما دعاني إلى الكتابة عن هذا الموضوع، لكي أجيب على تلك التساؤلات ولكي أريح وأفرح من حزن وأشفق.

أمنيتي تكمن في البداية راجية أن أجد الكلمات المناسبة للتعبير عما اختلجني من مشاعر في ذلك الوقت الذي قررت أن أتغير فيه للأفضل. أحب أن أذكر بداية أن فكرة الحجاب لم تكن تراودني على الإطلاق ولكنني عندما كنت أقابل أية فتاة دنماركية محجبة كنت أشعر بالخجل من نفسي ومن قمة التناقض في تلك الصورة. فأنا عربية مسلمة أواكب آخر صيحات الموضة وهاهي تلك الدنماركية التي ترتدي الحجاب والرداء الفضفاض المحتشم. كنت أشعر في حينها بالغيرة من تلك الشابة ومن جرأتها وقوتها وتحديها لمجتمعها من أجل دينها الجديد. صحيح أننا نعيش في مجتمع لا يحبذ إجمالاً ممارسة العقائد الدينية أو التعبير عنها.

والحجاب في نظر عدد كبير منهم هو شعار أو رمز بالاضطهاد والجهل والانكسار وبأنه كاتم للهواء والذكاء على حد سواء، والبعض منهم يرى بأن الحجاب هو رمز للإرهاب، إلا أنني لم أعر كل ذلك أي اهتمام لأن صوت الصواب كان مدوياً أكثر من كل تلك الترهات.

كان حجابي أو كما أفضل تسميته خلاصي وراحتي، كان صدمة للجميع من حولي وبنظر الكثيرين منهم غير مناسب لا للزمان ولا للمكان الذي اتخذت به ذلك القرار. فالزمان كان قبل يومين من انتهاء 2010 أي قبل احتفالات رأس السنة الميلادية، أما المكان فكان في مركز سياحي والهدف الأكبر كان للسباحة!

كان الجميع يتساءلون لماذا هنا؟ وماذا حصل؟ ولماذا لم تنتظرِ لرمضان؟ أو حتى انتظري مرور حفل رأس السنة. صراحة شعرت حينها بسخافة وسطحية تلك التساؤلات. فمن منهم يدري من يعيش لقدوم رمضان!!

عندما كنت في ذلك المكان، ناداني المنادي، فلبيت النداء. ومع محاولات الشيطان البائسة والوسوسات الكثيرة التي باءت كلها بالفشل، فقد انتصرت عليه، ونعم الانتصار كان. فقد جعل يرسم لي أجمل التابلوهات بأجمل الفساتين والتسريحات، وخيل لي أنني أمشي على السجادة الحمراء والعيون  تترقبني لالتقاط أجمل اللقطات.

وصور لي أنني في احتفال رأس السنة وأنا نجمة الحفل بتألقها وشعاعها، وجعل شريطاً لصور مقطعة يمر سريعاً في مخيلتي، تلك الصور التي أخذها لي مسبقاً ليقنعني بعد الإنصات لصوت المنادي. صوراً رفضت النظر إليها والتصديق بها، صوراً تظهرني بصفات الخنوع والذل والخجل من النفس، وصوراً أخرى تظهر مدى عذابي وشقائي وتعاستي، وصوراً تظهر فشلي وانزوائي وندمي، ولكن النور الذي أضاء عتمة ليلي كان طاغياً على كل تلك الظلال.

صحيح أنني ولدت مسلمة وكنت أصلي وأصوم وأقرأ القرءان، ولكني لم أكن أضع الحجاب، الأمر الذي جعلني أشعر دوماً بأن هناك شيئاً مهماً ينقصني وتأكد لي ذلك بعد أن وضعت الحجاب وعرفت قيمته لأول مرة في حياتي. أحسست بأنني ولدت من جديد في أول مرة خرجت فيها واضعة الحجاب وبأن الألوان أصبحت أزهى وأن النور سطع أكثر وأن الهواء أصبح أنعش. أحسست ولأول مرة بأنني تحررت من جسدي، فقد كان يكبلني لسنوات طوال. شعرت بأن الحجاب الذي يلتف حول عنقي هو طوق النجاة لي، أجل وبكل صدق شعرت بكل ذلك.

حجابي الآن نابع من الإيمان الحقيقي والحاجة للعبادة، حجابي هو عبارة عن موقف اتخذته لأعبر فيه عن ولائي وطاعتي لله ربي.

كنت ومازلت، كلما لامست يداي حجابي، أشكر الله على نعمته في اختياري، وأحس بقيمتي كعبدة من عباد الله الذين اختارهم للهداية. أنا الآن أكثر اطمئناناً وسكينة ورقياً، أنا الآن أكثر إشعاعاً وتميزاً وجمالاً، أنا الآن أكثر احتشاماً واحتراماً، أنا الآن أفضل حالاً مما كان.